القائمة الرئيسية

الصفحات






 

الفصل السادس عشر

دموع وندم


ابتسم قاسم بانتصار، وهو يراقب تعابير ماسة المشتعلة غضباً، (وانقلب السحرُ على الساحر، ماسة لن تستطيعي التغلب عليّ، وفري جهدك يا رصاصتي الغالية).
اخرجت ماسة مفكرتها من جيب بنطالها و أخذت تكتب بسرعة شديدة و اشارت لميرنا كي تقرأ ما كتبته، ابتسمت ميرنا بمضض وهي تأخذ المفكرة لتقرأها، وقد تلون وجهها بالاحمر القاني وهي تقرأ بصوت مسموع.
- يبدو انكِ نسيتي سبب وجودك هنا، لن يكون لديكِ وقت لتملي أبداً فأنتي ستساعديني بالدراسة، ام انكِ نسيتي ذلك؟!
اقفلت ميرنا المفكرة بحرج وادارت وجهها بعيدا عن قاسم كي لا يقرأ تعابير وجهها الحانقة، اخذت تغمز بعينيها لماسة كي تفهمها بأنها معجبة بشقيقها وان لا تحاول اعتراض طريقها، ومن ثم قالت بصوت عالٕ متملق:
- بالطبع لم انسى حبيبتي، ولكني كنت اعني بأني سأشعر بالملل في الوقت الذي لن تحتاجيني به، فكما تعلمين، انا لستُ جيدة بأمور الدراسة .
"ميرنا انتِ حقا غبية" فكرت ماسة بحنق ومن ثم وجهت نظراتها الغاضبة الى قاسم الذي كان يراقب الجدال بنزق، واشارت له مهددة.
- أريني كيف ستبتسم بعد ان اخبرها بأمر خطيبتك المسكينة.
وما ان اخرجت قلمها مجددا لتحول اقوالها الى افعال، انتزع قاسم مفكرتها من يدها بسرعة و توجه بكلماته الى ميرنا متملقاً اياها.
- هل تحبين القهوة؟
وبالرغم من ان ميرنا لا تحب القهوة اطلاقاً الا انها كذبت متحمسة للانفراد بقاسم، بعيدا عن عيني ماسة المصدومتين من كذبها وتملقها.
- بالتأكيد، فأنا اعشق شيء اسمه القهوة، اترغب بفنجان قهوة، انا ماهرة بإعدادها.
هتف قاسم بسخرية طفيفة لم تلاحظها ميرنا ولكنها لم تفت عن اعين ماسة التي كادت ان تجن من تملق قاسم لصديقتها.
- يا الهي، ظننتك لن تسألي، سأكون مسرورا جدا ان فعلتي.
و ميرنا لم تخيب ظنه أبداً، فقد انطلقت المسكينة بحماسة لتعد له فنجان القهوة الذي تنوي ان تستميله به، حتى انها تجاهلت اشارات ماسة الحثيثة كي توقفها اما دهشة ماسة المصدومة، يا الهي ان له تأثير سيء على الفتيات، الهذه الدرجة سيطر عليها بكلمتين فقط، تقدم قاسم ليقف قبالتها حاجبا عنها متابعة صديقتها التي اختفت داخل البيت بسرعة، ارتفعت نظراتها الى قاسم الذي كان يراقبها بكسل عابث.
- لما تحاولي ان تفسدي علاقتي الجيدة بها؟ الهذه الدرجة تغارين منها؟!
اتسعت عينا ماسة بصدمة، واشارت الى نفسها باستنكار.
- انا اغار منها😳انا احاول حمايتها منك، فأنت تدور حولها كذئب جائع، لماذا منعتني من اخبارها بأمر خطيبتك؟ علام تنوي؟
لمعت عينا قاسم بخبث خفي وشيء آخر لم تستطع ماسة تفسيره، وانحنى كثيرا ليصبح وجهه مقابل وجهها تماما وطلب منها بلغة الاشارة ان تمعن النظر في شفتيه جيدا لتفهم ما سيقوله.
- أنا انوي الحصول على ما هو متاح دائما وابداً، صديقتك تلك ليست بريئة كما تعتقدين، لربما انتي تريدين انقاذها من الذئب ولكن، ماذا لو كانت لا تريد ان يتم انقاذها؟ 
راقب اتساع عينيها الجميلتين وقبل ان ترفع اصبعا واحدا لتعترض على كلامه وتدافع عن صديقتها، سارع بلف ذراعه حول خصرها، وجذبها بشدة الى صدره الصلب، وبردة فعل سريعة كي تمنع اصطدام جسديهما وضعت يديها فوق عضلات صدره الصلبة، و رفعت نظرها اليه بذهول متسائلة عما ينويه، بالنسبة لقاسم ابتسم بخباثة شريرة وهو يراقب تخبطها وارتباكها، والان بعد ان كانت تلعب دور الدفاع عن صديقتها، اصبحت هي الضحية، لنرى كيف ستخلصين نفسك من هذه الورطة، تابع بغرور وهو يمعن النظر في اعماق عينيها.
- أيعقل انك تغارين منها وتتمنين لو تأخذين مكانها؟
اتسعت ابتسامته وهو يشاهد تلون بشرتها البيضاء الى الأحمر القاني من شدة الخجل، وارتجف قلبه بين ضلوعه طربا، انه يعشقها بجنون، كل شيء فيها يثيره بغرابة لم يعهدها بنفسه من قبل، رائحتها، نظراتها، همساتها، لمساتها، حتى مرآها غاضبة، يجعل قلبه يرقص طربا ، "ماستي، صبرا جميلا يا غاليتي، فقد اقتربنا كثيرا من النهاية".
حاولت ماسة تخليص نفسها من بين ذراعيه ولكن دون جدوى، فكلما قاومت اكثر كلما ازداد تمسكا، ورؤيتها لابتسامته الخبيثة الساخرة اثارت حفيظتها، فلم تعد تحتمل قربه او سخريته منها، لذا اخذت قرارها في نيل انتقامها منه، فهي مستعدة لدفع نصف عمرها كي تحول ابتسامته الخبيثة تلك الى صرخات من الألم، وبالفعل طبقت عليه فنون القتال التي تعلمتها للدفاع عن نفسها ضد المتحرشين والخاطفين، وبلحظة واحدة وبلمح البصر وجد قاسم نفسه منسدحا فوق الارض بطريقة مضحكة، لا يعلم كيف ومتى اصبح على هذه الوضعية، قابل نظرات ماسة الساخرة المنتصرة، وتسائل في نفسه، (متى اتقنت فنون القتال، ولما امي لم تخبرني بذلك، اللعنة، ستكون مهمتي في اخضاعها شاقة) وبالرغم من انه لم يتألم كثيرا الا انه استغل الفرصة وتظاهر بالألم.
- اوه يا الهي، لقد كسرت اضلاعي، (ومد يده اليها باستعطاف) لا اعتقد بأني سأتمكن من السير على قدمي، هلا ساعدتني ارجوكي؟
شحبت ماسة لكلماته، ايعقل ان السقطة آلمته لهذا الحد، ام انه يسخر منها، يا الهي، امي سوف تقتلني فقد جعلت مدللها ذو اعاقة مثلي، وعند هذه الفكرة المرعبة، انحنت ماسة فوقه بقلق عارم، وحاولت قدر استطاعتها ايقافه على قدميه ولكنه كان يزيد من صراخه، ويتمسك بها اكثر متظاهرا بالضعف وعدم قدرته على الوقوف دون مساعدة.
ركضت ميرنا بسرعة حينما رأت دموع ماسة الصامته والتي ماسة ذات نفسها لم تشعر بها، وهتفت بقلق:
- ماذا هناك؟ قاسم؟ ما الذي اصابك؟
وبمساعدة ميرنا استطاع قاسم الوقوف على قدميه مستندا على كلتا الفتاتين، وهمس بضعف مبالغ فيه:
- اريد الاستلقاء في غرفتي، آي هذا مؤلم جداً.
وبالفعل اتجهو الى الغرفة يسندونه ويوصلونه الى سريره بأمان، وحالما القى بجسده الضخم، صرخ متألما أكثر، مما زاد في انهيار دموع ماسة الصامته.
- اخبرني ماذا حدث؟ كيف سقط أرضاً بهذه الطريقة؟
ماسة وقفت مشتتة لا تدري ماذا تقول، بينما ميرنا تحدق بأسى بقاسم حزينة لما اصابه، وقاسم بدوره، يتلصص على وجه ماسة الحزين وعيونها الدامعة، والتي تفادت النظر الى عيونه بجبنٍ أذاب قلبه حباً وحنيناً، قال قاسم لميرنا كي يجنب ماسة الاحراج.
- لقد زلت قدمي ووقعت ارضاً، هذا بسبب غبائي، لم اكن اعلم ان الأرض زلقة.
- دعني اطلب لك الطبيب
وقبل ان تلمس الهاتف صاح قاسم معترضاً:
- اياكي ان تفعلي!
عبست ميرنا بدهشة، اذا كان يتألم بشدة فعليه رؤية الطبيب حتما، لماذا يرفض بهذه الشدة.
- ولكن، انت تشعر بألم شديد، اليس كذلك؟
تهرب قاسم من الاجابة، ونظراته تنصب فوق ماسة بلهفة.
- سأتحسن بعد تناول فنجان القهوة، الم يجهز بعد؟
ضربت ميرنا جبهتها بخفة وهتفت بسرعة:
- كدت أنسى، سيكون لديك بالحال.
وانطلقت بسرعة الى المطبخ لتجلب له فنجان قهوته، بينما حاول قاسم لفت انتباه ماسة كي تنظر اليه، ولكنها تعمدت عدم النظر اليه إطلاقاً، وتجاهلته متعمدة، فقد لاحظت حركات يديه البهلوانية كي يجذب انتباهها اليه ولكن دون فائدة، شتم قاسم بحدة.
- اللعنة، انظري اليّ.
واتبع قوله بإلقاء وسادة عند قدميها، رفعت ماسة نظرها اليه بحدة، وحينها ادرك، بأنها ليست حزينة عليه فقط، بل هي غاضبة منه الى ابعد الحدود، اقتربت ماسة منه ببطىء وعينيها تلمع بغضب مستعر، وبدأت بعزف ألحانها الصاخبة بيديها.
- أخبرتك أن لا تقترب مني وأن لا تلمسني دون اذني، اللعنة، لقد كنت واضحة تماما، لما تفعل هذا بي، هل تسعد بإذلالي، هل يستهويك تعذيبي، هل تريد دفعي لكرهك، أهنئك اذن، فقد نجحت، و الآن اياك والاقتراب مني قيد أنملة، ليكن هذا واضحا لك.
وانطلقت بسرعة عائدة الي غرفتها مغلقة بابها خلفها، مؤمنة إياه بالمفتاح الذي وضعته حول عنقها، والقت بنفسها فوق السرير واجهشت ببكاء مرير.
"أمي آسفة، انا حقا لم أقصد أذية وحيدك، أرجوكي فلتسامحيني".
قاسم تاق للحاق بها وامساكها ولكن دخول ميرنا اوقفه، اللعنة، لما اصبحت ماسته الصغيرة بهذه الحساسية، كل ما أراده رؤية حبها له في عينيها الناعستين، فقد تاق لماسته القديمة التي لم تكن تخفي شيئا عنه رغم اساءاته المتكررة لها، لم تكل او تمل يوما، من محاولة اخضاعه والتقرب منه والاستحواذ على قلبه، ماذا حدث لتلك الماسة، ومن تكون هذه الفتاة الجميلة الخجولة الحساسة التي تسلبه دفاعاته كلها، وتجعله يقف عاجزاً، أمام ضعفها ورقتها وجاذبيتها، زفر قاسم بشدة، فلو لحق بها الآن ستكتشف انه كان يكذب عليها طوال الوقت، وربما سيزيد هذا كرهها له، اللعنة، هل هذا ما افعله؟ هل ادفعها لتكرهني؟ أنا؟ من يتوق يئساً؛ لضمها وشمها وعناقها، تلك المجنونة، كيف فكرت اني اسعى لنيل كرهها، تلك الغبية، لو عرفت ما أنويه بشأنها، لشاب شعر رأسها من الخوف، ولكن، صبرا يا قاسم، فقد صبرت كثيرا وقد تبقى القليل لتحصد قطاف صبرك.
كانت ميرنا تراقبه بتساؤل، على ما يبدو انها سالته شيئا وتنتظر اجابته، ولكن لم يكن بحال جيدة كي يسايرها، قال بحدة:
- انا متعب، أرجو أن تغلقي الباب خلفك.
وتدثر بأغطيته أمام نظرات ميرنا المحبطة.
في صباح اليوم التالي لم تخرج ماسة من غرفتها ولم تذهب لتطمئن على قاسم، فقد اخبرتها ميرنا انه بخير وسيذهب برفقتها ظهرا لرؤية الطبيب، ارتاحت ماسة لسماع ذلك، ولم تخرج من غرفتها الا بعد ان تأكدت من ذهابهم، وقد كان قاسم مستاء لان خطته في نيل اهتمامها باءت بالفشل، ولكن حالما لمح حركة الستائر الطفيفة خلف نافذتها، حتى دبت الحياة في اوصاله مجددا، إنها تقلق عليه حقا، هي لم ولن تكرهه أبداً، لن يسمح لها بذلك مطلقاً، ومستحيل أن يتركها تفلت من بين يديه.
راقبت ماسة اختفائهم داخل السيارة سويا، قاسم مستندا على ميرنا وذراعه السمراء القوية تحيط بخصرها، بحميمية منقطعة النظير

يتبع ...


تعليقات

التنقل السريع