الفصل السابع عشر
عريس لأجل محبوبته
ماسة خطت بيديها رسالة لوالدتها، بثتها شوقها وحبها وافتقادها لها، أفرغت همومها وآلامها وأحزانها، قالت لها ما لم تجرؤ يوما على قوله، فقد كانت هذه الرسالة تشكل عذابات روحها، وأفكارها المشتتة، هذه الرسالة كانت عبارة عن روحها مخطوطة بورقة، بعد ان انتهت من كتابة كل ما تشكو منه روحها، قرأتها مرارا وتكرارا وشعرت براحة غريبة، وكأنها صارحت صديق حميم بهمها و مخاوفها، وكأن احدهم حمل عنها حملها، ومن ثم احكمت اغلاق الرسالة جيدا واخفتها في صندوقها المميز والذي احكمت اغلاقه بقفل ومفتاح كي تمنع ايدي المتطفلين من الوصول اليها، فلطالما ماسة لجأت لهذه الطريقة للتخفيف من اوجاعها، كانت تكتبهم في دفتر مذكراتها، ولكن سفر والدتها المفاجئ خلف فراغ قاسيا لديها، فشعرت براحة كبيرة وهي تخط هذه الرسالة لوالدتها، حتى وهي تعلم بأنها لن ترسلها.
عادت ماسة لمراجعة دروسها فلم يتبقى شيء على الاختبارات، وهي بحاجة لان تجتازها، لاجلها ولأجل امها الحبيبة وأيضا، كي تتخلص من قيد قاسم، لم يكن لها خيار سوى الدراسة كي تستقل بنفسها عنهم، اغلقت بابها على نفسها، وأغرقت نفسها بدروسها.
عند عودة قاسم، بحث عنها بالأرجاء ولكنه لم يجدها، ولم يتبقى سوى غرفتها، وقف امام بابها طويلا دون ان يحرك ساكنا، كان مترددا، خائفا من رؤية دموعها مجددا، مرعوبا من ردة فعله، فيما لو حاولت تجاهله وتجاوزه، والالقاء به جانبا، اتت ميرنا من خلفه، وسألته بود:
- ربما ما زالت نائمة، هل اوقظها لنتناول الطعام سويا؟
امتعض قاسم بضيق، فهو يعلم بانها ليست نائمة، ولكنه لا يريد رؤيتها، ليس الآن على الاقل، تنهد بضجر قائلا:
- لا داعي فانا متعب وارغب بالنوم قليلا.
واتجه الى غرفته بخطوات مثقلة محبطة، لا يدري لما تجتاحه هذه المشاعر اليائسة حين تخفي نفسها عنه، يجتاحه شعور بالإحباط واليأس وكأن الدنيا اظلمت في وجهه، ماسة هي شمسه والسبب الذي يعيش لأجله، ان غابت عنه تغيب عنه الحياة، القى بجسده المتهالك فوق سريره واخذ يعود بذاكرته الى قبل سفره للخارج، وراح يسرح فيما كانت ستكون عليه حياتهما لو لم يتركها ويرحل، اخذ يتذكر جبنه حينما اخبرته والدته بمدى تعلق ماسة به، وانها تعتبره اكثر من شقيق يومها، دفن قاسم محبته لها في قلبه ولم يظهر لوالدته مدى عشقه لها، فقد كانت بنظر والديه طفلة لا تعرف صالحها، وان مشاعرها هذه مؤقته وعابرة لانها تمر بمرحلة المراهقة التي تمر بها كل فتاة بعمرها، تمنى قاسم يومها ان يصرخ في وجه والدته ويخبرها بانه ايضا يشعر بنفس تلك المشاعر نحوها، وانه لا يهتم لامر مراهقتها اللعينة، تمنى لو كان على درجة كافية من الشجاعة كي يخبر والدته، بانه حتى لو لم تحبه واعتبرته كشقيق لها سيجبرها على حبه ويرغمها على الزواج منه حتى لو اضطر لسجنها طوال حياتها واخفائها عن عيون العالم المتطفل على حبهما البرئء الذي قتلوه في المهد قبل ان يظهر على العلن، كانت خالته التي يكرهها بشدة هي من ملئت راس والدته بالتفاهات، اخبرتها ان قاسم اصبح ناضج وان ماسة تحاول اغراءه بشتى الطرق كي توقعه بغرامها، وان فترة مراهقتها ستكون خطيرة جدا عليها وعلى قاسم وقد يوقعا في خطا جسيم، قاسم استاء كثيرا من طريقة تفكير خالته الخبيثة، حاول اقناع والدته بان هذا مستحيل ان يحدث، توسل اليها ان تثق به وحاول اقناعها بأن ماسة لا تعني له شيئا اكثر من شقيقة، الا ان والدته اصرت واخبرته بانها لا تثق بماسة اما بالنسبة له فهي تعرف ابنها جيدا وتثق به كثيرا ولاجل ان يطمئن قلبها عليه ان يسافر ويجد له فتاة يحبها وتسعده، وافق قاسم على مضض ولاجل والدته ولاجل ماسة، فقد اخبرته والدته بانه ان لم يوافق على السفر، سوف تزيد النميمة بالعائلة ويسيئون الى ماسة ويقذفونها باسوأ الالفاظ ولربما ماسة تعلم بهذا وحينها لن تحتمل، لم يكن له خيار اخر، سيرحل من حياتها ولكنها ستكون قريبة منه سيطمئن عليها، سيرعاها ويراقبها كشقيقة له، يبقى هذا الخيار الافضل من ان يتخلى عنها الى الابد.
حينما انهى دراسته الجامعية تاق للعودة الى المنزل، اراد بشدة ان يعود اليها يجتمع بها يراها بعد ان اصبحت انسة جميلة تنضج انوثة ورقة، حنيها والدته اخبرته بانها تتوق لعودة ابنها الوحيد، ولكنها لن تستقبله دون زوجته المستقبلية او ان يتزوج بعيدا ويعود برفقة زوجته ليعيشا سويا، كانت والدته تريد من ماسة ان تقطع الامل من قاسم وتفكر به كشقيق ليس الا، كانت والدته تحب ماسة كثيرا جدا لدرجة انها القت بابنها بعيدا لاجل ان تحتفظ بها الى جانبها، كانت والدته قاسية ظالمة بحقه، ولكنه لم يكرهها أبداً؛ لانه ايضا كان عاشقا متيما لماسته الغالية، فهي تجبر اي شخص على الوقوع بغرامها فقط من النظر اليها، يكفي ان يتامل تعابيرها المكشوفة الواضحة كي يدرك كم هي بريئة وساذجة ومليئة بالحياة، ارسل قاسم لوالدته يخبرها بانه سيأتي زائرا لفترة قصيرة فقط ومن ثم سيرحل، حينها اخبرته والدته بان ينتظر قليلا وسترسل له دعوة حينما توافق ماسة على عريس تقدم لخطبتها، اخبرته بان ماسة تعترض على العريس فهي لا ترغب حتى بعقد قران لحين انتهائها من دراستها ولكنها ستعمل على اقناعها، حتى انها تجرأت على الطلب من قاسم ان يحاول اقناعها بنفسه على الموافقة لانها تحبه وسوف تسمع كلامه، قاسم كان يعلم انها لن تتردد على الموافقة اذا طلب منها ذلك بل كان مؤمنا انه حالما يعرض عليها الامر لن تجادلة او تناقشه، بل ستوافق في الحال، بدافع الجرح والالم الذي سيسببه تخليه عنها، يومها رفض بشدة.
- امي ماذا تعني؟ كيف تطلبين مني ان اجبرها على ان توافق على شخص لا تريده؟
اصرت والدته بشدة:
- ان ابن صديقتي وانا اثق به كثيرا، انا اعلم انه سوف يسعدها فهو طيب جدا، ولا يهمه أبداً عجزها.
شتم قاسم بشدة وهتف بيأس:
- امي لما تفعلين ذلك؟ اما زالت خالتي تضغط عليكي بكلماتها، امي الا تثقين بابنائك أبداً؟
قالت له والدته بصوت مرتجف مختنق بدموعها المكتومة:
- اعلم انك تحبها ايضا، اعلم بان تلك السنوات الطويلة لم تغير من مشاعرك شيئا حيالها، وهي ايضا ما زالت بانتظار عودتك على احر من الجمر(شهقت بالم) اخبروني ان فكرة تبنيها خطا منذ البداية وانا اصررت انها ستكون شقيقة لك ولن تفكر بشكل اخر، لا ادري كيف خرجت الامور عن السيطرة، كنت انانية، اردتها ان تطيب جروحي وجروحك ولم افكر بها أبداً، لم اعلم باني اظلمها الا حينما رايت بام عيني، كم تتعذب في بعدك، كم تغيرت واصبحت مجرد الة تقوم بواجباتها فقط دون حياة، لا يمكنني ان احتمل شماتة العائلة بي، اريد ان اثبت لهم باني احسنت تربيتكم وانشئتكم كما يرضي الله، ان لم تقبل انت بالزواج اذن، ليس لدي خيار اخر سوى تزويجها هي، لن اسمح لاحد ان يسئ الظن باولادي أبداً، سأثبت للجميع بأني نجحت فيما كانو جميعهم ينتظرون سقوطي.
اما ان تتزوج انت او ازوجها هي، لايوجد خيار اخر.
مع كل كلمة قذفتها والدته على مسمعه، تحطمت اماله واحلامه، كل شيئ خطط له اصبح مستحيلا، بعد ان اعتقد بان قصة حبهما ستكون الاجمل على الاطلاق، قامو بتشويهه وتدنيسه وجعلوه محرما من كل الجهات، قاسم لم يعرف بما يجيب والدته لم تترك له خيار بالرغم من انه كان يملك الكثير من الخيارات والحلول، كأن يخطفت ماسة الى بلد غريب لا يعرفهم فيه احد ويتزوج منها ويعيشا حياتهما بسعادة ابديه، ولكن ستبقى والدته نقطة ضعفه، لا يمكن ان يجعلها تمر بكل هذا العذاب في سبيل سعادته، لن يهرب ويتركها تتحمل عوافب تصرفه، تذكر جيدا يومها استسلامه وقوله بيأس.
- سأتزوج امي، ارفضي ذلك الوغد، لن نجبر ماسة على شيئ لا تريده أبداً .اقسم لك امي ماسة لن تتزوج الا من شخص تختاره هي.
وهذا ما كان عليه الامر، فقد كانت له زميلة في الجامعة التصقت به كالعلقة وصارحته بحبها له، كانت جريئة شجاعة اعتادت الحصول على ما تريده دائما مدللة والديها الذين لا يرفضون لها طلباً، لم يكن لديه خيار سوى ان يعلن ارتباطه بها، لم يكن لديه خيار لانه تاق للعودة اليها ورؤيتها حتى لو لم تكن له يكفي ان يكون قربها، سارع بارتباطه بتلك الفتاة العربية التي عاشت معظم حياتها في (تركيا) بين عادات بعيدة كلية عن الاسلام، ولكن لم يكن لديه خيار غيرها فهي كانت مستعدة للزواج به في التو واللحظة دون شرط او قيد حتى دون زفاف، كانت الخيار الافضل، للزواج الاسرع والعودة الى ماسته الغالية.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم