القائمة الرئيسية

الصفحات

 





الفصل الثامن عشر

خطة لإنقاذ حبه



ارسل لوالديه دعوة مرفقا صورة ليندا، وحث والديه على الاسراع بزيارته ومباركة خطوبته، كان لديه املا، كان لديه خططا، كان يضمر امنية، تمنى لو تعود امه عن قرارها، تمنى لو استطاع ان يغير قدره الذي رسمته والدته بيديها، وقف بعيدا بعد ان قام بتقديم عروسته الى والدته، وأخذ يراقب نظراتها الى كنتها المستقبلية، راقب امتعاضها وضيقها، ابتسم بسخرية، وكيف لا تمتعض وهي تشاهد زوجة وحيدها المتحررة، تراقص هذا وتعانق ذاك، يلمسونها ويقبلونها مباركين لها بخطوبتها، اجل اختارها مسلمة ولكنها بعيدة جدا عن الاسلام والدين، لا تعرف الصلاة او الصوم، وترتدي الملابس المكشوفة الفاضحة، لم يحاول حتى ان يعترض على اسلوبها، اراد ان ينتقم من والدته؛ فهي السبب في اندفاعه لهذا الارتباط المشؤوم الغير متكافىء.

(راقبي يا امي ما صنعته يداكي)، ابتسم قاسم بانتصار، كان سعيدا جدا بردة فعلها التي ظهرت جليا فوق وجهها، وانتظر، بلهفة وترقب وألم.

اقتربت والدته منه وسألته هامسة بضيق، لم تفلح بإخفائه أبداً:

ألم تجد أفضل منها يا قاسم؟

يا لسخرية الموقف، ابتسم قاسم بلا مبالاة و أجابها بيأس شديد:

لقد وجدت الأفضل يا أمي، ولكنكِ أردتي لي الأسوأ، (تنهد بنفاذ صبر متابعاً) لا أبالي ان لم تعجبك أو تعجبني، فإن لم تكن ماسة، فلن اهتم لبديلتها.

رمى تلك القنبلة في وجه والدته، وتركها خلفه مصدومة مقهورة، واخذ يراقص خطيبته ويصفق لها بيديه، بابتسامة مزيفة ، يغلفها ألماً خفي، فقد أدرك بأن والدته حسمت أمرها، وزاد حنقه عليها حينما حان موعد رجوعها الي ماسته الغالية دون أن تبدي اعتراضا، او حتى تحاول ثنيه عن الاستمرار بهذا الارتباط الخاطىء، باركت زواجه وانسحبت تاركة خلفها قلبا حطما، محبطا، حاقدا عليها رغماً عنه، الى ان أتاه الخبر المفجع، والديه تعرضا لحادث خطير على الطريق السريع خلال عودتهما، واحتمال نجاتهما شبه معدومه ركض قاسم الى المشفى وهناك ابلغوه بوفاة والده على الفور وان والدته ما زالت في العنايه المركزه واحتمال نجاتها ضئيل جدا قاسم شعر بالذنب الشديد وكأنه هو من تسبب بهذه الحادثه المشئومه، في قرارة نفسه، تمنى ان يحدث امرا خارقا، يوقف زواجه الغير مرغوب من ليندا، ولكنه أبداً لم يأمل حتى في خيالاته، ان يكون هذا الامر الخارق هو موت والديه.

سمع طرقات خفيفة على باب غرفته، انها ميرنا بالتأكيد، فلما ستأتي اليه ماسة، وهي تكن حقدا شديدا له، أذن لها بالدخول، وكانت تحمل بيديها أصناف متعددة من الطعام، وقالت بدلال:

لقد أعددت مائدة من الاطعمة المتوفرة، بالتأكيد انت غاية في الجوع، فقد شعرت انا ايضا بالجوع، هل تقبل ان اشاركك الطعام؟

عبس قاسم بضيق، كيف افترضت انه سيأكل دون ماسته، راقبها وهي ترص الاطباق بترتيب، وسألها:

الا يفترض لماسة ان تشاركنا الطعام؟

اجابته بسرعة وحرج حينما شعرت بأنه أساء فهمها:

سألتها قبل ان اتي اليك، ولكنها رفضت، قالت لي بأنها متأخرة جدا في الدراسة، وانها ستكتفي بوجبة سريعة في غرفتها.

اللعنة، أهذا ما توصلت اليه، تلك الجبانة الغبية، اتعتقد بأنني سأسمح لها بالتهرب مني، عاد بنظراته الي ميرنا التي اخذت تراقبه بحرج وعبوس، حسنا يا ماستي، لا بأس، سيكون لي معكي نقاش آخر بعد انتهاءك من اختباراتك اللعينة، تقدم قاسم من المائدة وبدأ بتناول الطعام بصمت تام امام نظرات ميرنا المتجهمة.

ماسة لم تكن تشعر بالجوع أبداً، فقد كانت تشعر بالقلق على قاسم وانتظرت بفارغ الصبر عودة ميرنا لتطمئن عليه، وارتاحت كثيرا بعد ان علمت بأن الأمر ليس خطيرا أبداً، ويلزمه فقط القليل من الراحة، واعطاه الطبيب بعض الادوية المسكنة والمراهم الطبية، كي يعالج بها ظهره المصاب.

تنفست ماسة براحة فقد خشيت ان تتسبب له بضرر دائم، وفكرت، كيف لرجل رياضي مثله أن يتأثر بهذه الضربة، علي اخذ حذري واتجنبه قدر الإمكان، فهو مغرور متعجرف ويتفنن في افقادها صوابها، وهي آخر امانيها ان يتضرر بسبب خطأ منها، وعند اتخاذها لهذا القرار، أغرقت نفسها بانجاز دروسها العالقة، حتى انها لم تنتبه للوقت الى ان رأت ضوء القمر يتسرب من النافذة، تنهدت ماسة بسعادة، فقد انجزت الكثير هذا اليوم، وان استمرت على هذا الحال، فستنجح بالتأكيد في تحقيق اهدافها، اتجهت بخطوات بطيئة متعبة من الدراسة كي تتنشق هواء الليل العليل، فقد كانت نسمات الهواء اللطيفة معبقة برائحة الورد والياسمين، فردت ذراعيها بالهواء واخذت تقوم ببعض الحركات الرياضية البسيطة كي تفكك عضلاتها وتلينها بعد مجهود الدراسة الخارق، ولم تنتبه مطلقا للعيون المتلصصة التي أخذت تراقبها مسحورة بجمالها على ضوء القمر، لم تعلم كم بدت جميلة وهي تسدل شعرها الحريري الطويل فوق ظهرها، وتمرر اصابعها الطويلة النحيفة بين خصلاتها اللامعة، لقد بدت كحورية فاتنة، خرجت من احدى القصص الخيالية.

قاسم؟

قطع صوت ميرنا خيالاته السارحة، وشتم متذمرا لتدميرها هذه اللحظة المقدسة، فقد تاق طوال اليوم لرؤيتها وبالكاد منع نفسه من الذهاب الى غرفتها واقتحامها، اراد بشدة ان تعانق عيناها عيناه، ولو للحظة وجيزة، عاد بنظراته الى ماسة، التي تسمرت في مكانها وهي تحدق النظر به من نافذتها العالية، وادرك بأنها امسكت به متلبسا يراقبها خلسة، انحنت قليلا لتشاهد ميرنا تقف مقابلة له، مع قهوته المفضلة، حبس قاسم انفاسه لمرآها، وكيف تهدل شعرها فوق اكتافها، كي تمد نفسها لتستطيع رؤية الشخص الذي يحادثه، كانت جميلة كلوحة فنية أثيريه قديمة، قام برسمها امهر الفنانين القدماء، تراجعت ماسة للخلف بسرعة حالما اتجهت نظرات ميرنا اليها، وقامت بتحيتها من أسفل، والقت نظرة اخيرة الى وجه قاسم المنحوت كالتمثال واغلقت نافذتها بقوة وانسحبت للداخل.

ارتأى قاسم ان لا يضغط عليها، فنجاحها وتحقيق حلمها، احد شروط زواجه منها، كل ما عليه فعله بعد انتهاء اختباراتها، هو الذهاب الى ليندا وفسخ خطوبتهما المزيفة، ومن ثم سيعود لاجل ماسته ليحتضنها ويحتويها للابد.

يتبع ...

تعليقات

التنقل السريع