الفصل التاسع عشر
تهرب منه
بعد عدة ايام، عادت ماسة مرهقة الي منزلها، وجدت ميرنا ممدة بالصالة قد غفت اثناء مشاهدتها التلفاز، اطفأت ماسة التلفاز، واتجهت بخفة الي غرفة قاسم، ولكنه لم يكن هناك، تنفست الصعداء، واتجهت على الفور الي المطبخ كي تتناول وجبة سريعة قبل عودته وتتفرغ لدراسة المادة القادمة، فقد كان اختبار اليوم سلسا وسهلا جدا، كانت سعيدة لان تعبها وسهرها الليالي لم يذهب هدرا، ولكنها كانت تكره مادة الفيزياء كثيرا، فلم يكن التعامل مع هذه المادة سهلا عليها أبداً، كان قاسم في الايام التي مضت، يتجنب اللقاء بها او التحدث معها، لم يكن يرغب بأن يشوش افكارها، ويلهيها عن دراستها، ولكن حينما رآها جالسة الى المائدة تتناول طعامها بنهم، وكأنها لم تأكل منذ اعوام، لم يستطع الانسحاب، تسمر امامها وثبت نظراته عليها، يا الهي كم اشتاق لها، كم اراد مجالستها ومسايرتها، والبقاء قربها، حتى لو لم توجه له اي حديث، يكفيه أن يتأمل عينيها، ويشتم رائحتها، ويشعر بوجودها.
سقطت كأس الماء من يدها وقد غصت بلقمتها واخذت تسعل بشدة حينما فوجئت بوجوده يراقبها بصمت، سارع قاسم يملأ لها كأس اخر من الماء، وناوله لها بسرعة وهو يربت فوق ظهرها، ويذكر اسم الله عليها، افرغت ماسة الكأس بجوفها واستغرق السعال وقت كي يهدأ ويزول تدريجيا عنها، بينما جلس قاسم قبالتها يراقبها بعطف كل الدنيا بعينيه.
هل انت بخير؟ لما تأكلين بهذه السرعة؟ هذه هي المرة الثانية التي تغصين بها في طعامك.
راقبت ماسة شفتيه جيدا لتفهم ما يقوله، وتذكرت المرة الاولى حينما غصت بطعامها في منتصف الليل وسارع لنجدتها تماما كما فعل الآن، تضرجت وجنتاها بحمرة الخجل، الا يعلم انه السبب في غصتها، فهو يظهر من العدم حينما تظن انها وحدها، كلما شعرت بالامان في غيابه يعود ظهوره المفاجىء ليشتتها و يوترها ويقض سلامها، تلك المشاعر التي تنتابها بقربه، لا تعلم متى ستختفي وتزول، لا تعلم متى سينتهي عذابها ولكنها تعلم بأنها ستتحرر منه حالما تحصل على شهادتها، حالما تحقق حلمها، حينها فقط ستنتزعه من قلبها وتستقل بنفسها، ستستطيع اخراجه من حياتها وعالمها واحلامها، لن يكون له وجود أبداً.
انا تعبت كثيرا اليوم، سأذهب لارتاح قليلا.
اشارت له بسرعة واتبعت قولها بالفعل، لحق بها قاسم بسرعة ولانه يعلم بأنها لن تسمع ندائه، امسك بذراعها كي يوقفها ويمنع هروبها المستمر حال رؤيتها له، وكانت تلك المرة الاولى التي يلمسها بها بعد ذلك اليوم، الذي تظاهر به بالاذى جراء القاءه ارضا، تلك النظرات الغاضبة الحانقة التي رمته بها جعلته يترك يدها بسرعة فائقة وكأنه صعق بتيار كهربائي، ورفع كفيه امامها مستسلما مهدئا اياها طالبا سماحها وصبرها، وغفرانها بنظرات يائسة معذبة.
لا تذهبي! ارجوكي ابقي قليلا.
تنهدت ماسة بنفاذ صبر واشارت له:
لا استطيع، انا اشعر حقا بالتعب.
وضع يديه في جيوبه، كي يوقف رغبته الشديدة بلمسها، كي يستطيع السيطرة على مشاعره المتأججة.
اريد فقط الاطمئنان على سير الاختبارات، هل الامور جيدة، اخبرتني ميرنا انك تعانين من الفيزياء، انا كنت متفوقا بها، ان اردتي يمكنني مساعدتك بفهم بعض الدروس.
آه، ميرنا، حقا انتي مصيبة ولا تحفظين سرا أبداً، اشارت له بحزم.
لا تقلق بشأن الإختبارات بإذن الله سأجتازها، بالنسبة للفيزياء كان هناك درس وحيد تصعبت منه، ولكن احدى صديقاتي قامت بشرحه لي اليوم، لا تزعج نفسك بشأني.
لا تزعج نفسك بشأني! يا للسخرية، الا تعلم ان شأنها هو شاغله الأكبر، الا تعلم بأن كل ما يعيش لاجله الآن ليس سوى شأنها اللعين! كان لكلماتها وقع قاسٍ على روحه ووجدانه، لأول مرة يشعر بأنه بعيدا جدا عنها رغم قربه الشديد منها، لأول مرة يشعر بأنه متطفل عليها ولا يملك اي حق بها، كانت كلماتها كطعنة خنجر سامة سرت في وريده و أحرقت قلبه، راقب ابتعادها باحباط ويئس، وعاد الى غرفته يجر اذيال الخيبة، لن يصمد اكثر، تبقى لانهاء اختباراتها اربعة ايام، اربعة ايام من الجحيم ما زالت بانتظاره.
كانت ميرنا تقوم بالاهتمام بماسة خلال دراستها، تجلب لها الطعام، وتصنع لها القهوة التي لم تحبها ماسة أبداً طوال حياتها، ولكنها كانت تشربها لانها تساعدها على التركيز والسهر لوقت اطول للدراسة، ولم يغب عنها غزل ميرنا لقاسم ودلالها امامه طوال الوقت، ولم يفتها أبداً استمتاع قاسم بمراقبتها تبذل المستحيل لتنال رضاه، في مرة ميرنا اخبرت ماسة بغموض:
ان شقيقك غريب الأطوار.
عبست ماسة متسائلة:
هل قام بتصرف أزعجك؟
هزت ميرنا رأسها نافية، واحتضنت دب الباندا الخاص بماسة وهي تجلس فوق سريرها متابعة بغموض:
لا، ولكن تصرفاته في وجودك تختلف تماما عن غيابك، انه يعاملني بود وحبور حينما يراكي تراقبينه، ويتعامل بجمود وبرود حينما تختفين من امامه، الا تعتقدين بأن سلوكه هذا غريب.
اذن فهو يقوم بتلك التصرفات الغبية لاجل اغاظتي فقط، قاسم انت وغد من الدرجة الأولى، ان كان عاشق متيم لشقرائه التركية، لما يضيع وقته وايام من حياته الى جانبها، تظاهرت ماسة بالبرود واللامبالاة، واخرجت دفتر ملاحظاتها وكتبت.
الحقيقة ان قاسم غريب الاطوار فعلا، فقد جاهدت والدتي لعلاجه والتغيير من اطباعه ولكن دون فائدة، فهو لا يعرف ما يريده أبداً، ويناقض نفسه بشكل غريب، حتى انه عقد قرانه على فتاة بتركيا ولكنه تركها ليمضي وقته بالتسكع هنا واصطياد الفتيات.
اتسعت عينا ميرنا بصدمة:
هل هو مرتبط؟ آي لما لم تخبريني، يا الهي كالغبية انا احاول استمالته طوال الوقت، اللعنة، كنت متأكدة من ان هناك فتاة تسكن قلبه، فهو يسرح بها ويفكر بها حتى وانا جالسة برفقته، ليتك اخبرتيني بهذا سابقا يا ماسة.
اشارت لها ماسة ببساطة:
لقد حاولت اخبارك، ولكنك كنت مسحورة به ولم تستمعي لي، والآن اتركيني اتابع دروسي فلم يتبقى لي الكثير من الوقت.
ودفنت ماسة رأسها بكتبها كي تترك لصديقتها حرية الانسحاب او البقاء صامتة بغرفتها، ولكن طرقات ميرنا فوق مكتبها كي تجذب انتباهها اليها شتت ذهنها، رفعت نظراتها المتذمرة اليها تكاد تنهرها.
ابتسمت ميرنا باستظراف وأخفضت صوتها وكأنها ستدلي بسر خطير:
شكرا لانك أخبرتني، فقد كدت اسيء الظن، وأجزم على ان شقيقك متيم بك الي حد الجنون.
اتسعت عينا ماسة بصدمة كبيرة، يا الهي، كيف توصلت الى هذه الفكرة، فهي لم تحتك به اوتقترب منه طوال فترة وجودها برفقتهم، سارعت ميرنا بالاعتذار، حينما رأت صدمة ماسة و ذهولها.
اسفة يا صديقتي حقا آسفة، لا ادري كيف خطرت لي هذه الفكرة الفظيعة، ولكن صدقيني هذا لاني لم اكن اعلم بشأن خطيبته المزعومة.
انتزعت ماسة دبدوبها المشوه من بين يديها وطالبتها بحزم ان تغادر غرفتها، ولكن ميرنا طبعت قبلة صغيرة سريعة فوق وجنتها وركضت خارجة من غرفتها:
اسفة صديقتي، فلتغفري لي ذلتي.
جلست ماسة مصدومة، ان قاسم بكل تأكيد لا يحبها، فهو من تخلى عنها، وارتبط بتلك الشقراء، مستحيل ما تفكر به ميرنا، فإذا كان يحبها حقا، لما ارتبط بأخرى أبداً، اللعنة عليكي يا ميرنا، كيف سأركز الآن بالدراسة، ضربت رأسها بطاول .مكتبتها وهي تطرق الارض بقدميها، متذمرة تتمنى لو تنتزع كل تلك الافكار السلبية من رأسها.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم