الفصل الحادي عشر
لا أحبها...بل أعشقها
- لا فائدة.
في الصباح الباكر وجدت ماسة عائلة لطيف في بيتها زوجته في المطبخ تعد الإفطار والطفلة زهرة تعلقت بثوبها تضايقها في تحركها من اثناء اعداد الطعام ، كانت ماسة فرحة لوجودها فهي سوف تؤنس وحدتها قليلا وتشغلها عن التفكير بقاسم في هذه الإجازة الدراسية التي تبدو وكأنها لن تنتهى لوجود قاسم فيها ، أنحنت لتحمل الطفلة زهرة ، ونظرت إليها زوجة لطيف بابتسامة حانية.
- لقد استيقظتي ، لقد أخبرنا قاسم أن لا نوقظك ونتركك تستيقظين في الوقت الذي يناسبك.
ضحكت ماسة برقة وهزت رأسها وهي تعترض بأنها لو فعلت ذلك كانت ستضيع فرصة بقائها مع زهرة ومداعبتها ، ومن ثم اخذت الطفلة عن جدتها وخرجت الى الحديقة لتلعبان سويا ، كانت ماسة شخصية متقلبة نوعا ما ، فهي تغضب بسرعة وترضى بسرعة كما أن اي شيئ بسيط يفرحها واي شيئ تافه يبكيها ، كانت طفلة مزاجية وهي صغيرة والأن اصبحت مراهقة مزاجيه صعبة المراس ، كانت برفقة زهرة تماما كطفلة بمثل عمرها ، تداعبها وتلحق بها وتحملها وتسرق العابها وتزعجها وتبكيها وتراضيها من ثم تعود لاغاظتها ، أن ماسة ليست الا طفلة صغيرة لم ولن تكبر أبداً ، خاصة في نظر قاسم الذي كان يراقبها من نافذة غرفته ، كانت ماسة ترتدي قميص فضفاض وطويل حتى ركبتيها فوق سروال بيجامتها الزهري، وقد عقدت شعرها كذيل حصان يهتز في كل حركة تقوم بها ، كانت مراقبتها تبهج قلبه وتنفخ الروح في جسده ، كم اشتاق لها طوال تلك السنوات ، لم ينساها ولو لحظة، فقد نقش ملامحها نقشا في ذاكرته ، اتى لطيف من خلف زهرة وحملها هاربا من ماسة التي كانت تتظاهر بملاحقتها وعدم استطاعتها الامساك بها ، كانت ماسة تبدو في اسعد حالاتها ، لو علمت أن اليوم سوف تقام جنازة والديها في بيت العائلة الكبير لكانت الآن في حال غير هذا الحال، تنهد قاسم بأسى وهو يتذكر كلمات امه قبل أن تموت.
- ماسة ، لا يجب أن تعلم بما حدث ، ولو توفيت عليك أن تخفي عنها هذا الأمر ، أن ماسة ليست ابنتي وأخشى أن ياتي والدها للمطالبة بها ، عد إليها وابقى إلى جأنبها واعتني بها ، دعها تتعلم وتتفوق وتحقق حلمها في أن تصبح طبيبة، ساعدها على ذلك يا بني ، لا اريد لها أن تشقى من بعدي ، اريد أن اكون مطمئنة عليها ، ولو عاد والدها الخبيث ليأخذها ، لا تسمح له ، و سأتاكد من أنه لن يفعل ، فأنت الاحق بها منه ، اعلم بأني رفضت سابقا، ولكن لم اكن اعلم بأن هذا ما سيحدث ، اريد الموت وأنا مطمئنة بأنك لن تتركها أبداً ، عدني بذلك يا بني ، اريد أن أرتاح قبل أن اموت.
كانت تلفظ كلماتها بصعوبة ، وكانت كل كلمة تنطقها تدمي قلب قاسم الاف المرات ، وفي النهاية ماتت والدته تاركة ماسة في وصيته بعد أن وعدها بقلب صادق بأنه لن يتخلى عنها أبداً ، كانت ماسة تتراجع للخلف هاربة من زهرة الصغيرة و تتظاهر بالخوف منها وتشاكسها ولم تنتبه لوجود قاسم خلفها وتعرقلت به وقبل أن تتعثر امسك بها من ذراعها وسحبها إليه وقد تطايرشعرها الحريري ليصفع وجه قاسم برقة وقد احتبست أنفاسه وهي يحدق النظر إلى ملامحها الرائعة وعبير الياسمين يفوح من خصلات شعرها المتمردة وحالما استدارت وراته خلفها وضعت يدها بسرعة فوق صدره تمنع ارتطام جسدها بجسده الصلب وقد اتسعت عيناها بصدمة لوجوده خلفها فجاة ، ركضت زهرة لتتعلق بقدمي ماسة التي تجمدت وهي تحدق بقاسم ببذلته السوداء الرسمية وربطة العنق السوداء فوق قميص ناصع البياض ، فقد بدا وسيما بحق ، يا الهي كيف ستحتمل قربه طوال فترة غياب والدتها ، وحالما رأى قاسم تضرج اللون الاحمر من عنقها وحتى وجنتيها ارخى يديه قليلا عنها وهمس
- ستكونين سبب نهايتي لا محالة
وامام نظرات ماسة المذهولة التي تحاول فهم معنى كلماته ، صاحت زهرة بفرحة
- امستتي(امسكت بكي)
وبسرعة أنتزعت ماسة نفسها من ذراع قاسم وفركت ذراعها مكان لمسته وسألته بالاشارة متجنبة النظر في عينيه.
- ما هذه الأناقة ، هل أنت مدعو لحفل زفاف؟
كان يدرك جيدا ما تحاول اخفائه ، وكان يدرك الصراع الذي يدور داخلها ، لوى شفتيه بابتسامة عابثة.
- أجل ، هل تأتين معي؟
ماسة تكره الأفراح وتجدها مملة من صغرها لأنها لا تستطيع سماع الصخب من حولها ولا تشعر بالفرح الذي يحيط بها ، لذا رفضت بسرعة وهي تشير بيديها قبل أن تبتعد.
- رافقتك السلامة.
ركضت الى داخل المنزل تلحق بها زهرة فرحة مختالة ، تنهد قاسم واعطى تعليماته للطيف بأن يحرص على أن لا تشاهد ماسة الاخبار او الجرائد وأن يشغلها باي شيئ ومن ثم غادر منطلقا بسيارته الى حيث ستقام الجنازة بحشد مهيب من الناس والاقرباء والاصدقاء والجيرأن وشركاء العمل كانت مهمته صعبة جدا أن يمنع ماسة من معرفة خبر أنتشر بالصحف والمجلات والاخبار العاجلة ولكن ما جعله يطمئن قليلا أن ماسة لم تكن أبداً من متابعي الاخبار والمجلات فقد كانت تمضي وقتها في مشاهدة الأفلام والمسلسلات الحديثة او قراءة القصص الرومانسية التي تحب شرائها من المكتبة ، عدا عن ان رفع طلبا بعدم نشر اي اخبار عن حادث والديه وطالب بسحب جميع المنشورات التي صدرت بشأن الحادث ، ولكن هذا بالتأكيد سيستغرق وقتا ولن يحدث بالحال ، كما أن وجود لطيف وعائلته سوف يساعدانه كثيرا في تخطي هذا الامر.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم