القائمة الرئيسية

الصفحات

 

رواية
لم احبك قط

الفصل السادس عشر

تسللت خيوط الشمس المشرقة من بين السحب، لم تعلم لونا كم مضى عليها من الوقت وهي تسير، فقد كانت خطواتها بطيئة متلكئة بلا روح، كانت أثناء سيرها عائدة إلى منزلها، تتدافع الصور الى فكرها، صورا بغيضة لحياتها البائسة القادمة، رأت نفسها خلف القضبان الحديدية والجميع يحكم عليها بالموت، رأت عائلة فرانكو التي تجهلها، تهاجمها بضراوة وتطالب بالانتقام لابنهم الوحيد، تخيلت والدتها بعيونها الباكية، تلومها وتعاتبها على فعلها الشنيع، رأت شقيقتيها تصرخان ببكاء وعويل على فراقها وتخليها عنهم، بعد فوات الأوان، أدركت لونا بأن انتقامها لم يؤذي شخصا آخر غيرها، وان ما اعتقدته سيريح فكرها ويشفي غليلها، لم يفعل سوى زيادة إضرام النار في جسدها، ركض توم نحوها لينتزعها من عالم البؤس الذي أغرقت نفسها بداخله:
- لونا...أين كنتي؟!
رفعت إليه عيون دامعة مشتتة، ابتلع ريقه وهو يسألها بخوف:
- هل مسدسي بحوزتك؟!
ما زالت تنظر دون أن تدرك شيئا، شتم توم بحدة وهو يحملها إلى الداخل وقد صرخ بصوت حاد على ماتيلدا، لتهرع إليهم بخوف:
- ماذا هناك؟!...ماذا اصابها؟!
نظرت إلى شقيقها بغضب:
- ماذا فعلت بها أيها الأحمق؟!
مددها توم فوق الأريكة وراح يزيل الرمال العالقة بملابسها واقدامها وهو يهتف بحدة:
- لا شيء...لم أفعل شيئا...احضري لها كأس من الماء، الا تري حالتها؟!
صرخت به شقيقته بحدة فاقدة صبرها:
- بلى أرى...لهذا اسألك عما فعلته بالمسكينة؟!...لما هي على هذه الحال؟!
نظر إليها توم بغضب بعد أن دثر جسد لونا البارد بغطاء نومه وصاح بشقيقته بحدة:
- أخبرتك بأنني لم افعل شيئا...
أتى صوت لونا الهامس المرتعش ليوقف صراخهم على بعضهم البعض:
- قتلته...(رفعت عيونها الواسعة التائهة إليهم متابعة) لقد قتلت ذلك الوغد فرانكو...لقد أطلقت عليه النار.
اتسعت عينا ماتيلدا وتوم بصدمة، وتسمرت ماتيلدا في مكانها فاغرة فمها بذهول، بينما انحنى توم نحوها لاعنا بشدة وهو يسألها:
- أين المسدس...أنه ليس بحوزتك، أين تركته؟!
تسللت الدموع عائدة إلى عيونها الحزينة وقالت بصوت متقطع من البكاء:
- لقد قتلته هناك...وتركت المسدس إلى جانبه...تركته ينزف حتى الموت... بالتأكيد قد مات الآن صحيح؟!...يا الهي انا قاتلة.
اعتدلت مزيحة الغطاء عنها وهي تمسك بذراع توم بيأس وراحت تصيح بهستيريه:
- ماذا سيحل بي، هل سأعدم؟! انا قتلت روحا! يا الهي ماذا سوف يصيب شقيقتاي، توم ماذا سيحدث لي، انا أصبحت قاتلة.
احتضنها توم بقوة يهدئها، ونظر إلى ماتيلدا، وكأنه يخبرها بأنها، ضاعت من بين ايديهم، وسبق السيف الغزل، نظر توم إلى وجهها وسألها بجدية:
- لونا أخبريني أين المسدس...اين قتلت ذلك الوغد؟! علي أن أعثر عليه قبل أن يعثر عليه شخصا اخر، ذلك المسدس يحمل بصماتك وبصماتي وهو مرخصا باسمي...أخبريني أين هو المكان بسرعة؟!
انطلق توم بأقصى سرعته الى حيث العنوان الذي ذكرته لونا، بينما سارعت ماتيلدا لتدفئة لونا جيدا وتهدئتها وصناعة فنجان من الشاي الأخضر لها.
****
لم تدري لكم من الوقت استغرقت في النوم ولكنها حينما استيقظت، وجدت توم جالسا مقابلها، يمسك رأسه بين يديه، كان يبدو عليه التعب والارهاق، نظرت إليه لونا بتوتر واقتربت منه تسأله بينما هي تعرف الإجابة مسبقا:
- توم؟!...ماذا حدث؟...هل وجدت فرانكو؟....هل هو ميت بالفعل؟!
رفع نظره إليها غاضبا يائسا، لا يعلم ماذا يخبرها، بينما هي قرأت بعينيه كل ما أرادت معرفته، هبطت إلى المقعد بجانبه هامسة:
- آسفة لاني استخدمت سلاحك...لم أكن أفكر جيدا...ولكن اطمئن...انا سوف أسلم نفسي للشرطة...انت لن يطالك أذى بسببي.
سالت الدموع من عينيها، وهي تفكر بشقيقاتها:
- علي أن أضع سارة وثريا في دار للرعاية قبل ذلك، لا يمكنني تركهم لمصير مجهول...
أمسك توم يدها المرتجفة بيده، ليوقفها عن الارتجاف، قال دون أن يرفع عينيه ليواجهها:
- لم أجد أثر لأي جثة هناك....والسلاح أيضا قد اختفى...ولكن كان هناك آثار عجلات سيارة...يبدو أن أحدا ما عثر عليه، لا ادري ماذا حل بذلك الوغد، ربما هو ميت أو نقل إلى المستشفى، لم اتمكن من البقاء طويلا هناك كي لا أثير الشكوك.
هزت لونا رأسها متفهمة:
- هذا لا يهم، لا اريدك أن تقلق لن تواجه اي مشكلة بسببي، فقط اريدك أن تعتني بشقيقتاي إلى حين خروجي...فيما لو خرجت...
دخلت ماتيلدا البيت متعبة من معافرة الفتيات الثلاثة:
- يا الهي...لا أعلم كيف كانت والدتك تسيطر عليهما، أنهما متعبتان جدا، لقد أرغمتهما على تناول الطعام بعد...
وهنا انتبهت للوجوم الذي يعم المكان، انتقلت بنظراتها من وجه توم اليائس إلى وجه لونا البائس، وهمست وهي تجلس برفقتهم:
- توم هل أحضرت سلاحك؟!...ماذا حدث؟!...هل اكشفو من الفاعل؟!
قال توم بيأس وقد بدأ عاجزا جدا:
- لا اعلم شيئا حتى الآن ولكن....لونا عليها أن تختفي في الحال...علينا كلانا الاختفاء...فربما تأتي الشرطة في أي لحظة للقبض علينا.
سارعت لونا معترضة:
- لن تقبض عليك...لن أسمح بذلك...انت لا شأن لك بما حدث.
أمسكت لونا بيد ماتيلدا متضرعة:
- آسفة ماتيلدا ، اعلم اني سأثقل كاهلك بأختاي ولكن...أرجوك أن تعتني بهما ريثما اجهز أوراق رسمية من اجل دار الرعاية...
اتسعت عينا ماتيلدا رافضة:
- ماذا تقولين...مستحيل أن يدخلوا دار للرعاية وانا موجودة....لونا انا سأعتني بهم جيدا...وانتي اهربي...أجل يا صديقتي فلتهربي....أعلم بأن القانون لن يرحمك ولن يقدر ظرفك
نظرت إلى شقيقها تحثه على تأييد أقوالها:
- توم خذها واهربا بعيدا....اهربا قبل أن تجدكم الشرطة...أرجوك توم خذها من هنا واخفيها عن الوجود.
سارعت ماتيلدا لإعداد حقيبة صغيرة وضعت بها بعض الطعام والملابس، وأمرتهم بحزم:
- اذهبا الآن...هيا...لا تقلقي على الفتيات أنهم برعايتي.
توم لم يتردد كثيرا وفي الحال أمسك بيد لونا، وسارع للخروج من المنزل تلاحقهم دعوات ماتيلدا المباركة.
****
أخذها توم إلى قرية نائية، يشتهر أهلها بتهريب السلاح والممنوعات، دخلت برفقته إلى نزل وضيع، كانت المسؤولة عنه امرأة في الاربعين من عمرها، نظرت إليهم متفحصة، ووجهت كلماتها لتوم بنزق:
- هاي أيها الوسيم...لقد مضى وقت طويل على غيابك.
تشبثت به لونا بخوف، فالمكان يبدو مريب بشكل فظيع بينما نظرات الناس الغريبة إليها تشعرها وكأنها في سوق للعبيد، مال إليها توم يطمئنها:
- لا تقلقي انتي بأمان معي.
ضحكت المرأة ذات الاربعين عاما ساخرة:
- من أين اصطدت هذه الطفلة الصغيرة...اعتقدت بأنك تحبهم اكبر سنا، وذو خبرة...لقد خاب أملي.
شعر توم بالحرج، من تلميحاتها التي توضح للونا طبيعة العلاقة بينهما:
- ما زلت سليطة اللسان كما عهدتك كارو...الأمر ليس كما تظنينه ابدا.
تابعت كارلا سخريتها من توم وهي تمرر اصابعها على وجهه العابس امام نظرات لونا المنزعجة:
- لا تهتم لما اظن ...فانا احصل على ما اريده مهما كان الثمن.
وراحت نظراتها تحوم فوق لونا بازدراء...قالت لونا بحدة فهي تكره ان يسئ احد الظن بها:
- بإمكانك الحصول عليه في أي وقت تشائينه فأنا وتوم مجرد اصدقاء ليس اكثر. 
استأذن توم من لونا دقائق بعد ان اجلسها في مكان قريب منه بينما اخذ كارلا الى زاوية بعيدة قليلا و كان بإمكان لونا رؤيتهما دون ان تسمعهما ...تنهدت وهي تتفقد المكان بعينيها ..فقد بدا واضحا على المكان مدى وضاعته وأي نوع من الناس يأتون اليه...شعرت لونا بالاختناق وهي تتذكر النزل الذي تركها به فرانكو سابقا ...فقد كان اكثر رقيا من هذا المكان...فهذا المكان يعج بالرجال السكارى والمدمنين والساقطات، كانت رائحة النبيذ والممنوعات تملأ المكان ...وكم تشوقت لان ينتهي توم مما قدم لاجله باسرع وقت فهو لم يخبرها عن سبب قدومه الى هذا المكان المشبوه فقد اخبرها انه المكان الوحيد الذي تخشى الشرطة اقتحامه نظرا لوجود اقوى عصابات المافيا وتجار المخدرات هنا.
بعد نصف ساعة تقريبا خرجت هي وتوم من النزل واخذها الى شاطئ بحر قريب تناولا القليل من الطعام الذي خبئته ماتيلدا داخل الحقيبة وجلسا صامتين كل واحد منهما غارق في عالم اخر...قال توم متوترا:
- هناك امرا علي اخبارك به ...ولكن ارجوكي لا تسيئي فهمي. 
عبست لونا وقد تأهبت لسماع خبر سيئ ...ولكنها لم تشعر بالخوف ابدا ... فهي تكره عيشة الجبناء وفكرة ان تبقى هاربة مهددة ومطاردة ازعجتها كثيرا وكانت تفكر بانها لو سلمت نفسها للعدالة لن تخوض كل هذا العناء وايضا سوف تخفف العبئ عن توم وماتيلدا فهي لا تستطيع ترك شقيقتاها لفترة غير معلومة برعايتها:
- لن افعل ...هات ما لديك .
تنهد توم باستسلام قائلا: 
- الكوبرا هو الشخص الوحيد القادر على اخراجنا من هذه الورطة.
اتسعت عيناها بدهشة...ذلك الكوبرا نسيت امره تماما في خضم مشاكلها...وعادت بذاكرتها لحديثهما معا والاتفاق الذي ابرماه سويا وسألت توم مستفهمة: 
- كيف ذلك ...اوضح لي اكثر؟!
راح توم يخبرها عن الكوبرا وسطوته في عالم المافيا وان بعض عناصر الشرطة من رجاله ولا يخلفون له امرا. واحيانا يقوم ببعض العمليات لاجلهم وتابع بحماسة:
- انه رجل جيد جدا رغم قسوته الا انه عادل..هو احيانا يقوم ببعض الصفقات لصالح الشرطة...انه صديق لهم برغم من تهريبه للسلاح الا انهم متوافقون جدا. 
عبست لون بدهشة:
- ولماذا سوف يساعدني!! ...من انا كي يقوم بالوقوف الى جانبي؟!
اتسعت عينا توم باستنكار:
- انتي مجنونة ...ان الرجل يهيم بك حبا...يا إلهي لونا الا تعرفين تأثيرك على الرجال! 
ابتسمت لونا ساخرة من كلماته: 
- بلى اعرف جيدا كيف اجذب الرجال الاشرار الي حياتي البائسة!
صاح توم بضيق:
- لونا لا تكوني هكذا...انا اعرف الكوبرا جيدا، صدقيني لونا هو حبل نجاتك الوحيد.
دمعت عيناها هامسة:
- اشتقت لشقيقتاي.
أمسك بيديها يشد عليها بتشجيع:
- وهذا ايضا...لن تفارقيهم ابدا، وسوف تعيشين في ذلك القصر الكبير بأمان تام..لونا لا تضيعي الفرصة من يدك...لن تحتاجي للعمل أو القلق بشأن النقود...سيكون بإمكانك علاجهم واطعامهم، سوف توفرين لهم الحياة الكريمة التي طالما تمنيتيها...فكري جيدا عزيزتي...الكوبرا مهما كان سيئا سيكون أفضل من السجن مدى الحياة، وافقي لونا...وافقي لأجل شقيقتيك وامك الراحلة...ارجوكي فكري جيدا قبل أن ترفضي.
أجل بالتأكيد...الكوبرا هو ورقتها الرابحة...منذ البداية كان ورقتها الرابحة ولكنها اكتشفت ذلك بعد فوات الاوان...لا الاوان لم يفت بعد...ما زالت هناك سارة وثريا....ستضحي من أجلهما..أجل ستفعل ذلك فهما اغلى ما تملكه في هذه الحياة.
نظرت إلى توم بابتسامة باهتة:
- ذلك الكوبرا!...أين نعثر عليه؟!

تابع...





تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسرنا سماع رأيكم

التنقل السريع