الفصل الخامس عشر
حدقت لونا الى عينيه التي تبدلت من نظرات الذهول الى البرود واللامبالاة، وكأن الامر لا يعنيه ابدا، فكرت ...هل يستيهن بها ...ايعتقد انها لن تقدم على هذه الخطوة ابدا وقف ثابتا في مكانه وقد وضع يديه في جيبه واخذ ينظر اليها بغموض...فقط لحظات قصيرة صامتة تبادلو فيها النظرات ليس الا وكأنهما يفكران عن الطريقة الصحيحة التي يجب ان يتصرفا بها ...قالت لونا ساخرة حينما طال صمته الخانق:
- اكمل ...انا اسمعك...لقد اتيت من اجل ماذا؟
كانت نظراته اليها غير مفهومة...كم تمنت لو ترى غضبه وثورته, ارادت رؤية الخوف والندم فوق ملامحه، تمنت لو تسمع كلماته المتوسلة من اجل حياته من اجل ان تعفو عنه لكن...ما هذه الثقة التي يقف ويواجهها بها ...كيف بامكانه ان يقف ثابتا هكذا بينما هي تصوب نحوه مسدس قد يسلبه حياته بأي لحظة...ان فكر بانها لن تجرؤ على اطلاق النار عليه فيجب عليه ان يعيد التفكير مجددا لان شعور الكره والحقد في داخلها ما زال يتنامى ولم ينضب ابدا...اتت كلماته المتعجرفة كي تزيد من شعورها سوءا :
- لأكن صادقا لم أتوقع هذا ابدا...(ابتسم ساخرا من نفسه) ولكن هذا ما كان علي توقعه حينما وافقتي على لقائنا...كم انا غبي
التمعت عيناها بحدة وهتفت بمقت شديد:
- مؤسفا ان لا يسير كل شيئ وفق توقعاتك.
ضاقت عيناه على يدها التي تمسك بالسلاح بشدة بينما برزت عروقها الزرقاء, انها خائفة ...هذا ما فكر به...يدها ترتعش بشدة وانفاسها متسارعة وهو واثق بأن لولا صوت الامواج الهادرة لسمع صوت ضربات قلبها المرتعبة...لا يدري هل يشفق عليها ام يخشى على روحه من غضبها المستعر...واكثر ما يؤلمه انه يعرف بانها محقة تماما بتصرفها ولا يمكنه لومها ابدا...قال ببرود:
- هل تعرفين كيف تطلقين؟
ارتفع حاجبيها بدهشة، فهي لم تسال نفسها هذا السؤال مطلقا...كيف يستخدم هذا السلاح...اللعنة ربما كان عليها ايقاظ توم وسؤاله عن كيفيه استخدامه قبل الخروج ...اخفت ارتباكها عن عينيه النافذتين التي التقطت خوفها بدهاء وقالت بثقة لم تكن تشعر بها ابدا:
- هل تريد ان تجرب ؟
ابتسم فرانكو بهدوء...انها لا تعرف...تلك الغبية لا تعرف ... ترى ممن اخذته...ايعقل انها تنحدر من سلالة بربرية كي تملك سلاحا وتأتي لتهاجمه به بكل سهولة ورعونه...انها حتى لم تكلف نفسها معرفة كيفيه استخدامه...راح يقترب منها ببطء شديد خطوة تلو الأخرى وابتسامته لم تفارق شفتيه ونظرته الواثقة الهادئة تثير اشمئزازها ...اتسعت عيناها بتوتر وصدمة شديدة وصرخت به حينما رات تقدمه البطيء نحوها:
- ماذا تفعل ...ان اقتربت خطوة أخرى سأطلق النار
قال بكل ثقة وما زال يتقدم منها :
- اطلقى ...هيا ...ماذا تنتظرين؟
تراجعت لونا متعثرة بخوف للخلف...ذلك الحقير ماذا يفعل...صرخت به بحدة حينما رأت اقترابه الشديد منها :
- سأفعل اقسم باني سأفعل ...لا تكن غبيا ولا تقترب اكثر والا ندمت.
فرد ذراعيه كأجنحة الصقر في الهواء قائلا بكل برود العالم وسخريته وعيناه الحادتين تخترقانها كالسهم القاتل:
- افعلي لونا هيا ...فالندم عادة سيئة توقفت عن ممارستها منذ الصغر.
أشار فوق قلبه تماما قائلا بقوة مع كل خطوة يخطوها نحوها:
- صوبي هنا تماما...وتأكدي ان لا تخطئي الهدف...لانك ان اخطئتي سوف اجعلك تتمنين الموت دون ان تناليه.
ابتلعت ريقها بخوف شديد....كيف انقلبت الأدوار هكذا...يفترض به هو ان يخاف ويجثو على ركبتيه يتوسل عفوها ورضاها، كي لا تقتله ...فلما يدب الخوف في اوصالها هي ...لما تشعر برغبة بالركض بعيدا عنه والهرب منه...كيف تشعر بذلك وهي الضحية وهو الجلاد...صرخ بها بشدة وقد كان قربها تماما:
- اطلقي... هيا
ومن شدة خوفها لقربه الشديد منها أغلقت عينيها بقوة وضغطت فوق الزناد بصرخة خوف مدوية، ولكن لا شيء حدث لم يصدر صوت لأطلاق النار ولم تسمع صرخة الم صادرة منه ...لا شيء حدث مطلقا...فتحت عينيها بخوف تنظر الى وجه فرانكو الغاضب ومن ثم الى السلاح الغبي الذي تحمله بين اصابعها...وفجأة سحب فرانكو المسدس بخفة شديدة فتراجعت متقهقرة الى الخلف لتسقط فوق رمال البحر الناعمة، وقد اتسعت عينيها بذهول محدقة به ...اشرف عليها فرانكو بطوله الفارع حاملا المسدس بيده وقد سحب امان الزناد الذي نسيت ان تسحبه هي اثناء تصويبها المسدس نحوه ورفع المسدس نحوها مصوبا الى رأسها تماما قائلا بسخرية:
- انتي لم تعرفي بان هناك مفتاح امان عليك سحبه قبل الضغط على الزناد؟
فغرت فمها محدقة به ببلاهة...بالتأكيد لم تكن تعرف...فهي غبية جدا بحيث اعماها الغضب والانتقام عن أي شيء اخر عدا قتله والثأر لنفسها ولوالدتها...ابدا لم تفكر ان هناك أمورا يجب عليها ان تتعلمها قبل ان تحمل مسدسا...بل لم يخطر ببالها ابدا انها ستحاول يوما ما قتل شخص....لكي تأخذ دروسا في ضرب النار...ذلك الوغد اخرج أسوأ ما فيها ...لقد جعلها تكتشف أشياء عن نفسها لم تكن لتعرفها ابدا طوال حياتها...كيف كانت ستدرس الطب وتشفى الناس وهي تكمن داخلها مثل هذه الروح الشريرة...انسابت دموعها دون ان تشعر ولم تدرك ذلك الا حينما تذوقت الطعم المالح لدموعها فوق شفتيها فقد اعتقدت لوهلة انها رذاذ البحر المالح بفعل امواجه المتلاطمة وشعرت بالضيق حينما ادركت بانها ليست الا دموعها الخائنة...شتم فرانكو بحدة حينما رأى دموعها المنهمرة...ركع الى جانبها بسرعة قائلا بصوت حاول ان يبدو لطيفا ولكن رغما عنه كان فظا غليظا.
- ايتها الغبية... لماذا تبكين الان؟
تراجعت لونا للخلف زاحفة وهي تتذكر ذلك اليوم في الغابة...ذلك الخوف تلك هي المرة الثانية التي يجعلها تتقهقر زاحفة...نظر فرانكو الى عيونها المتسعة بقهر... وتابع نظراتها المحدقة بمسدسها الذي انتزعه من يدها ...تلك الحمقاء هل تصدق حقا انه سيطلق النار عليها...وضع فرانكو المسدس مسرعا في جيبه الخلفي بعد ان أعاد مفتاح الأمان الى مكانه...وامتدت يده ليمسك بيدها ويسحبها للوقوف مقابله...متجاهلا خوفها واشمئزازها منه وكرهها له ...راح يقول بصوت هامس حاني وهويمسح دموعها بظهر يده :
- اعتذر منك...انا اسف...لم اقصد ان اخيفك ...اششش اهدئي... انتي بخير...
نظرت لونا الى وجهه العابس...تأمل فرانكو عيونها الدامعة التائهة...وشعر بتشتتها وضياعها ...عاد ليشتم بقوة وهو يضمها بين ذراعيه بلهفة...شعرت لونه بصدره الدافئ واستمعت الى ضربات قلبه الصاخبة ووصلت همساته الرقيقة الحانية الى مسامعها المشوشة :
- لونا ...ماذا فعلتي بي.
وانحنى نحوها برقة يقبل وجنتيها المبللتين بالدموع وانفاسه الحارة تلفح وجهها البارد، العابس قائلا بهمس وشغف جارف:
- اريدك...لا اعرف متى وكيف حدث ذلك ولكنني رغما وقعت في حبك...اجل اعتقد بأنني أحبك
بلحظة قصيرة انطلقت لونا من بين ذراعيه كالرصاصة ووقفت بعيدة عنه وقد تبدلت نظرات الضعف والخوف الى الغضب والقسوة ورفعت يدها مرة أخرى موجهة سلاحها الى صدره للمرة الثانية بعد ان غافلته وسحبته من جيب سرواله، اثناء عناقه لها وقالت بحقد شديد وقد عادت ذاكرتها لتك اللحظة المشؤومة في الغابة حينما انتزع القبلات منها رغما عنها متجاهلا صرخاتها ودموعها وتوسلاتها ... تذكرت خيبة املها وضياع حلمها وسخرية زملائها....تذكرت حزن والدتها وكسر فؤادها بعد ان طردت من الجامعة ...تذكرت جسد والدتها البارد المنتفض فوق سرير المستشفى الكئيب بعد ان فارقتها الحياة ... استجمعت كل مشاعر الكره والحقد والاشمئزاز وصرخت بحدة وقلب مكلوم وهي تسحب امان المسدس:
- ولكني لا ولم ولن احبك قط.
ضغطت لونا الزناد بقوة مع صرختها المدوية المجروحة وراقبت جسد فرانكو يتقهقر الى الخلف ليسقط فوق الرمال الذهبية مضرجا بدمائه النازفة...حدقت بوجهه المتألم والى شفتيه المطبقة بشدة كي يمنع نفسه من الصراخ بألم...رأت الدم ينبثق ليغرق كفه التي وضعها فوق صدره ليوقف النزيف، القت المسدس من يدها واقتربت منه ببطء هامسة، بكل حقد وكره ودموعها تنساب دون توقف تراقب عبوس وجهه المتألم وصعوبة التقاط أنفاسه:
- لقد استحققت ذلك، انت من تسبب بهذا وليس انا ...كل ما اردته العيش بسلام....اردت ان احقق حلم والداي...اردت ان احقق الأمان لشقيقاتي المريضتان ...ولكنك اعترضت طريقي ...افسدت حياتي ودمرتها ... انا لن اسامحك ابدا ولست نادمة ابدا ...اذهب الى الجحيم فرانكو ولا تعد ابدا.
وامام نظراته التائهة المغيبة بسبب فقده للكثير من الدماء تراجعت عنه مبتعدة لتختفي تدريجيا في الظلام الحالك بعيد عن ضوء القمر الذي سلط فوق جسده النازف الممدد فوق الرمال الباردة وتركته يصارع الموت وحيدا دون رحمة .

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم