![]() |
| لم أحبك قط |
فتحت عينيها ببطئ شديد فقد شعرت وكانها طحنت تحت اعجال شاحنة مسرعة، حدقت في سقف الغرفة المضيئة بنور القمر المتسلل من النافذة ، عقدت حاجبيها وقد تدافعت ذكرى هروبها من فرانكو في الغابة الكثيفة، اتسعت عيناها بصدمة وهي تنهض بسرعة عن الفراش وراحت تنظر في انحاء الغرفة...كيف وصلت الى هنا ...وماذا حدث لها ....وذلك الوغد فرانكو اين اختفى ...دارت انظارها في الغرفة وقد بدت الرؤية تتضح لها تدريجيا وتدافعت الذكريات والصور المقيتة الى عقلها، لقد فعلها ذلك الوغد لقد نال منها بالتاكيد، نظرت الى جسدها الذي يغطيه قطعتان من الملابس الداخلية ليس الا، نزلت عن الفراش باحثة عن ملابس تستر بها نفسها قبل عودة ذلك الوغد وبالفعل وجدت فستان احمر يصل الى كاحلها، ضيق من عند الخصر والصدر و فوقه جاكيت أسود قصير تغطي به اكتافها العارية .. لا يوجد لديها خيار اخر عليها ارتداؤه بدلا من المكوث عارية بانتظار وصوله، فهي لا تعلم اين ملابسها اختفت ولا تعلم كيف وصلت الى هنا ولكنها تعلم انها ستقتل فرانكو حالما تقع عينيها عليه ...نظرت الى الحذاء الى جانب السرير ...كان حذاء اسودا بكعب عال ...ذلك الحقير فكر بكل شيئ ...انتعلته بسرعة فقد تاخر الوقت كثيرا وهي لا تعلم ما حل بوالدتها وعليها الاسراع للاطمئنان عليها، فلا وقت لديها للبكاء على نفسها الآن.
غادرت لونا الغرفة التي كانت داخل نزل وضيع في منتصف المدينة، أوقفت سيارة أجرة ... عند وصولها الي المنزل، طلبت من السائق انتظارها كي تجلب له نقوده... سارعت سارة إليها باكية:
- لونا أمي مريضة جدا...لقد أخذتها ماتيلدا إلى المستشفى.
دب الرعب في اوصالها، ما كان عليها الذهاب الي الجامعة هذا اليوم، لقد زادت الأوضاع سوءا بسبب غبائها وتسرعها، ربما ما كان عليها قبول هذه المنحة الدراسية في هذه الجامعة منذ البداية، دفعت للسائق نقوده مبلغا مضاعفا لينطلق بها مجددا المستشفى، حيث تنتظرها والدتها...بعد لحظات قصيرة وقفت خارج غرفة والدتها، كانت ماتيلدا تراقب الاطباء المحيطين بوالدتها من خلف الزجاج الشفاف، وحالما وقعت عيناها على لونا سارعت الي احتضانها باكية معاتبة:
- يا الهي اخيرا انتي هنا... لماذا تأخرتي؟!
ارتجفت لونا وقد الجمها الخوف عن الكلام ...والدتها بالتاكيد ليست بحال جيدة ابدا ...نظرت اليها ماتيلدا بعيونها الدامعة
- لقد سألت عنكي كثيرا ...كنت احاول الهائها لحين وصولك...لكن ...حالتها انتكست وقد اصدر جهاز القلب صوت إنذار وتدافع الاطباء اليها....لونا انا خائفة جدا.
تقدمت لونا بخطوات وجلة مصدومة تنظر إلى جسد والدتها الحبيب، الاطباء يحطونها من كل جانب يبذلون ما في وسعهم لانقاذها ...كان الدخول الى الغرفة ممنوعا...لكن لونا لم تبالي ...حدقت الى الجسد المستلقي الى السرير بينما أحد الاطباء يحاول انعاش قلبها الذي على ما يبدو توقف عن الخفقان منذ وقت ليس بقليل ولكنهم ما زالوا يثابرون على انعاشه ...كان جسد والدتها ينتفض مع كل صعقة كهربائية قوية يرتقع ويعود ليسقط فوق الفراش الابيض دون حياة ...حينها ايقنت لونا بأن والدتها رحلت عن هذه الدنيا...ايقنت بكل حزن واسى ان والدتها رحلت حزينة، خائفة، فاقدة الأمل...تاركة خلفها ثلاثة أرواح متعلقين بروحها التي صعدت إلى السماء بعد عناء طويل في معافرة الحياة القاسية...صرخت لونا بشدة:
- توقفو...ابعدو ايديكم عنها...الا ترون...انكم تؤلمونها....الا يكفيها ما نالت من العذاب في حياتها حتى تتابعو اذيتها في مماتها ايضا؟
نظر إليها الأطباء بدهشة متسائلين بهمس عمن تكون...بينما أجاب أحدهم بأنها ابنتها...تراجع الأطباء للخلف مع رؤيتهم تقدمها نحو سرير والدتها، الخالي من الحياة، كانت الدموع الصامتة تغرق وجهها، كان قلبها يتمزق من الألم، كانت تتمنى لو بإمكانها إعادة عقارب الساعة إلى الخلف لمدة يوم واحد فقط، لما خرجت من باب المنزل في هذا اليوم المشؤوم...مررت أصابعها المرتجفة فوق وجه والدتها الشاحب، والدتها أيضا تخلت عنها...لقد تركوها وحدها في مجابهة الحياة...فقد استسلمت والدتها باكرة جدا...لما لم تصبر قليلا...تصبر إلى أن ترى بيتهم الجديد...وبكل أسى تذكرت أن كل ما كانت تريده والدتها في هذه الدنيا...رؤيتها دكتورة ناجحة محبوبة من الجميع...ولكن كل ما حصلت عليه هذه المسكينة هو نكسة تلو الأخرى...قبلتها لونا برقة فوق وجنتها الباردة:
- آسفة...أنا حقا آسفة...أرجوكي يا أمي سامحيني...واطمئني...لن أتنازل عن حلمي...أقسم لك...سوف أسعى جاهدة لتحقيق ما تمنيته...أعدك بذلك...وسوف أنتقم.
همست بكلماتها هذه وهي تعانق جسد والدتها الذي فارقته الحياة، ولم تتوقف دموعها أبدا عن الانهمار، بينما شعرت بيدا ماتيلدا تحيطان بها من الخلف وتربتان فوق رأسها بكلمات حزينة مواسية.
مضت الساعات بسرعة شديدة....كانت لونا تشعر بالضياع.... وكأنها في عالم آخر... وكأن ما يحدث أمامها من استعدادات للجنازة واستقبال المعنيين واكرامهم لا يمت لها بأي صلة...فقد كانت ماتيلدا وتوم هما من أشرفا على كل شيء، واكتفت لونا بالجلوس صامتة حزينة متشحة بالسواد، معانقة شقيقتيها الصغيرتين الباكيتين بأسى...عاجزة تماما عن فعل أي شيء.
بعد مرور عدة ساعات مساء، وقفت لونا أمام صورة والديها المعلقة في منتصف الصالة...لم تكن تفعل شيئا في الساعة الماضية غير التحديق بالصورة دون حراك....عزم توم على الاقتراب منها ومواساتها، ولكن ماتيلدا منعته من ذلك بهزة معترضة من رأسها...وأخذت شقيقها وتسللت عائدة إلى منزلها بهدوء...تاركة لونا وحدها ترثي نفسها وتسترد قواها.
لا تدري لونا كيف أو متى غرقت في النوم فوق الأريكة في الصالة، ولكنها استيقظت على صوت رنين الهاتف المزعج...ولكن كيف لها أن تسمع صوت هاتفها وهو ليس بحوزتها، آخر مرة رأته، حينما اقفله ذلك الحقير فرانكو ووضعه في جيبه....اتجهت لونا إلى مصدر الصوت لتجده فوق الرف في المطبخ الصغير موصول بالشاحن الخاص به...اقتربت لونا من الهاتف ببطىء، وكأنه ثعبان سام سوف يلدغها بأي لحظة...نظرت إلى الرقم الغريب الذي يضيء الشاشة...فتحت الخط واصنتت قليلا لتعرف هوية المتصل:
- لونا؟!
ارتجفت بحقد وكره وغضب شديد حالما سمعت صوته المتردد...كانت تريد الصراخ به...كنت تتمنى لو تطاله وتفرغ فيه كل حزنها وألمها الذي كان سببهما، ولكن كل ما فعلته هو كتم أنفاسها المرتعشة...وترقب ما سيقوله بهدوء...سمعت تنهيدته عبر الهاتف وشعرت بتوتره.
- أنا...أريد رؤيتك...دعينا نلتقي؟!
حدقت لونا إلى اللا شيء...وقالت بهدوء:
- سان مارينو بعد نصف ساعة من الآن.
واقفلت الهاتف دون سماع اجابته، انتقت ملابسها بعناية وخرجت من بيتها على عجل وتسللت بهدوء الى بيت ماتيلدا، توجهت إلى توم النائم فوق الأريكة بالصالة...وبكل هدوء عادت لتخرج متسللة دون أن يشعر بها أحد تماما كما دخلت.
لم يكن قد مضى عليها نصف ساعة حينما خرجت من المنزل...ولكنها لاحظت وجوده من بعيد....كان كما عهدته....أنيق، وسيم...مغرور وحقير كعادته دائما...يكفي النظر إليه لتعرف مدى غروره وعجرفته...لم يكن قد نظر نحوها بعد...كان واقفا على شاطىء البحر، واضعا يديه في جيبه، أكتافه العريضة نحوها ونظره شاخص إلى البحر الهادر الذي يعكس ضوء القمر الأبيض فوقه...تقدمت نحوه بخطوات بطيئة ومع كل خطوة كانت تزداد قوة وجرأة وحقد...كانت تزداد عزيمتها على تنفيذ ما يدور في عقلها...فقد وعدت والدتها ووعدت نفسها....ولن ترتاح الا بعد تحقيق وعدها.
شعر فرانكو أخيرا بوجودها فاستدار نحوها ببطىء، وراقب تقدمها منه بتوتر...كانت تحتضن حقيبتها الصغيرة بقوة نحو صدرها، كان شعرها الطويل المسترسل فوق ظهرها يتطاير بفعل الهواء البارد، كتم فرانكو أنفاسه وهو يتأملها...فقد كانت ترتدي الفستان الذي انتقاه لها بيديه....كان يتمنى لو يراه يلتف حول جسدها...وها قد تحقق له ذلك....كانت غاية في الجمال...برغم الحزن الذي كسى ملامحها الشاحبة...تقدم نحوها، فصاحت معترضة بحدة:
- لا تقترب.
أطرق برأسه عابسا...يا لغبائه...كيف خطر بباله أنها ستتلهف لرؤيته بعد ما فعله بها...تراجع خطوة للخلف، قال في محاولة فاشلة لكسب ودها:
- يليق بك تماما...لقد تخيلتك به ولكن...الحقيقة اجمل بكثير من الخيال.
لاحظت لونا بضيق كم يبدو ضائعا محرجا، ولكن ...هل أمثاله يشعرون بالاحراج والضياع.... بالتأكيد لا...فقد صنع الاحراج والضياع والحزن والأسى لمن هو مثلها فقط...اما بالنسبة لفرانكو...فهو تمثال منحوت من الجرانيت...لا يشعر ولا يبالي الا بغرائزه الحيوانية المقيتة، لوهلة شعرت بالغثيان وهي تسترجع بكل كره واشمئزاز ما فعله بها، شعرت بالدوار وكادت أن تسقط فوق رمال البحر الناعمة...حاول فرانكو الاقتراب منها ومساعدتها...ولكنها رفعت يدها بوجهه موقفة تقدمه بنظرات غاضبة متقززة، فرانكو شعر بنفسه وكأنه حشرة وضيعة، يعلم أنها محقة في تصرفها، ولكنه...أتى ليراها...يريد اصلاح ما أفسده...ولكنها لا تعطيه فرصة أبدا...وهو لم يعتد الرفض من الفتيات وبحياته لم يمتثل لأي أمر يوجه له، فلما يفعل ذلك الان...عليه أن يقول ما أتى لأجله، حتى لو اضطر لارغامها على الاستماع إليه، فالشعور القذر الذي يشعر به حيال فعلته أكثر من كاف ليكره نفسه، لذا نظراتها التي تشعره بالقذارة هذه لا داعي لها ابدا، هتف بيأس متجها نحوها بعناد:
- اللعنة...هذا لن ينفع ابدا...لقد أتيت ل....
ضاعت كلماته في الهواء مع هبة الرياح العاصفة واصوات الأمواج الهادرة، ووقف متسمرا محدقا بها بصدمة، فقد وجهت نحوه بحدة سلاح اسود صغير، ووقفت تحدق إليه وعيناها ترسل إليه اهوالا مهولة من شرارات الغضب والحقد الدفين.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم