الفصل السابع
صرخت بلهفة
- امي
وركضت نحوها بسرعة شديدة كانت تركض في ممر ضيق طويل معتم لا يظهر له نهاية ولكنها ركضت لان والدتها تقف هناك امامها فاتحة ذراعيها تنتظر بلهفة وصول بيور الى احضانها ولكن على ما يبدو ان بيور لن تصل ابدا لوالدته فكانت كلما اقتربت منها ازدادت المسافة بعدا وكأن شيئا خفيا يبعد والدتها عنها كلما اوشكت ان تلمسها راحت الدموع تنهمر على وجهها الحزين وهي تصرخ بلوعة
- امي لا تتركيني
كانت نظرات والدتها لها باسمة حانية حزينة وتنتظروصولها بصبر وهدوء بذلت بيور جهدا اقوى في الركض وبالفعل كادت ان تصل والدتها وتلامس يديها الممتدتين نحوها ولكن فجأة ظهر امامها جسد والدها كوحش مخيف يعترض طريقها ويزأر بها بعنف جعلها اوصالها ترتعد من الخوف فتراجعت الى الخلف وسقطت على الارض الصلبة ناظرة بخوف الى والدها المبتسم بشيطانية ساخرة وقال بصوت حاد مخيف وعيناه تلمعان بالشر الذي يسيطر عليه
- انتي لستي سوى لقيطة ...لا والدين لك ...انتي شيطانة خبيثة وعليك الاختفاء من حياتنا
وقفت بيور على قدميها واقتربت منه متوسلة
- ابي ارجوك لا تقل هذا ...امي قولي شيئا ارجوكي
وفجأة ابتسمت والدتها بشيطانية واتسعت ابتسامتها لتتحول الى ضحكة شريرة وصاحت بأعلى صوتها وهي تتحول لكائن غريب ذو عينان حمراوان واذنان طويلتان وانياب حادة لامعة بينما طالت اظافرها لتصبح كمخالب مخلوق من الجحيم, بينما والدها تراجع للخلف لينبح كالذئب بصوت عالى تجمع على صوته جميع الكائنات الشريرة والمخيفة التي لم يسبق لبيور رؤيتها حتى في احلامها واسوأ كوابيسها وراحت تزحف للخلف متراجعة بخوف حينما رات مصدر امنها وامانها وقد تحول الى خطر يحدق بها ويهدد حياتها صرخت بيور بأعلى صوتها حينما ابتدأت مخالبهم تمتد نحوها لتخدشها ......
امسك بها طوروس بشدة وضمها الى صدره الدافئ واخذ يهدئها
- اشش انتي بامان لا تخافي لن يمسك اذى
راحت بيور تصارع اليدان التي تحتضنها بشدة وبأظافرها خدشت ذراعيه التي تلتفان حولها وما زالت صرخاتها الخائفة تتعالى مطالبة بحريتها بينما طوروس يحاول تثبيتها كي لا تؤذي نفسها او تفر هاربة الى حيث جاثوم او احد اعوانه من العفاريت.
استمر طوروس باحتضانها الى ان بدأت تهدأ تدريجيا وفتحت عينيها المغلقة ببطئ شديد بعد ان ادركت بانها كانت تواجه كابوس مخيف وانها فعلا بامان الان.
تسمرت عيني بيور الخضراء فوق وجهه الملائكي وراحت تمعن النظر في عيونه السوداء الواسعة ذات الرموش الكثيفة، لوهلة صغيرة ظنت بيور بانها ما زالت غائبة عن الوعي وان ما تراه ليس الا اضغاث احلام ولكن ذلك الوجه الرائع الذي يطل عليها الان كان مألوفا جدا لها، فقد شعرت وكأنها تعرفه من زمن بعيد ، ربما كان احد اقاربها او ....واتسعت عيناها فجأة ...اجل تذكرت اين رأته سابقا ...يا الهي كيف لم يتغيرابدا، ما زال وسيما كما كانت تتذكره وهي طفلة صغيرة ومازال شعره الاسود الحريري اللامع ينسدل كهالة سوداء فوق اكتافه ...امتدت يدها بتوتر لتتحسس ملامحه المنحوتة كتمثال من الرخام...ولكنه فجأة تركها وابتعد عنها متجنبا لمستها، فسالته بتوتر:
- انه انت ...اليس كذلك
نظر اليها طورس بعبوس مستفهما
وقفت على قدميها ببطئ شديد وعينيها ما زالت متعلقة بعينيه الحادتين
- لا تتصنع الغباء ...انا اعلم انك هو
تنهد طوروس وهو يستدير ليخفي وجهه عنها...هل يعقل انها عرفته ....فقد توقف عن الظهور بوجهه الحقيقي امامها منذ كانت في الرابعة من عمرها ....كيف بامكانها ان تتذكره حتى الان ...ركضت بيور لتقف امامه مباشرة وصاحت بصوت عال باكي:
- هل ستتنكر لي انت ايضا....هل سوف تتخلى عني مثلهم
شعر طوروس بسهم مدبب يخترق قلبه ...فمن الصعب ان يعترف لها بحقيقته ومن يكون ...ولاجل صالحها وحمايتها من بطش جاثوم عليه ان يتظاهر بانه شخص اخر تماما...قال بصوت واثق هادئ
- انا لا افهم عما تتحدثين
تلك العينان الدامعتان اصابت فيه مقتل ....تابع وهو يرى الدموع التي تنهمر بغزارة فوق وجنتيها مخفيا المه عن عينيها اللماحتين
- كنت مارا بالصدفة حينما رايت بعض الرجال يحيطون بك ووالدتك يريدون اذيتك ...كل ما فعلته انني اخذتك بعيدا بناء على امر والدتك المسكينة ...هذا كل شيئ
جثت بيور على ركبتيها فهي بحياتها لم تشعر بالسوء كما تشعر به الان فجميع من احبتهم قرروا التخلي عنها والتنكر لها ...هي واثقة من انه يكذب ولا تعلم ما سبب كذبه وماذا يخفي عنها ولكنها شعرت بنفسها وحيدة في هذه الحياة لا والدين لها ولا صديق حتى ملاكها الحارس الذي اشعرها بالامان قد تخلى عنها ...اجهشت بالبكاء بلوعة وهي تقو ل من بين شهقاتها المتألمة
- انا وحيدة ...انا لقيطة ...امي ليست امي وذلك الرجل الفاسق ليس ابي ....في الحقيقة انا نكرة ....انا لاشيئ في هذه الحياة
وقفت طورس فوقها يحدق براسها الباكي المنحني، لا يعلم ماذا يفعل وكيف يهدأ روعها، على طوروس ان يتاكد من سلامتها وامانها حتى لو اضطر لان يقسو عليها ...قال بحدة
- توفقى عن البكاء....لا فائدة مما تفعلينه الان ....استعدي فعلينا الرحيل من هنا باقصى سرعة
جفت دموعها بسرعة ....رفعت اليه عيونها الحائرة ...ماذا يقول ...همست متسائلة
- علينا؟؟
قال طوروس بنفاذ صبر
- ارجو ان لا تكوني شديدة الغباء ...فانا لا احب ان اكرر كلماتي مرة اخرى
قال كلماته هذه واتجه الى غرفة داخلية في هذا الكهف الصغير المعتم بينما ترك خلفه بيور مندهشة لا تفهم شيئا ...هل يعني انه سيأخذها معه....هل سيبقى برفقتها ....وارتسمت ابتسامة باهتة فوق شفتيها الكرزيتين مفكرة....انه تنكر لها حقا ....ولكنه لم يتخلى عنها ....اذن ستجاريه في لعبته وترى الى متى سيصمد برفقتها دون ان يخبرها بحقيقته ...وسارعت للحاق به الى داخل الغرفة ...كان طوروس يضع في حقيبة صغيرة بعض الملابس الخفيفة والقليل من الطعام المعلب ووقفت هي تراقبه من زاوية الغرفة ...طوروس تجاهل وجودها تماما وتابع عمله وكانها ليست موجودة ...القى نحوها ببرود قطعتان من الملابس قائلا وهي يغادر الغرفة دون حتى ان ينظر نحوها
- بدلي ملابسك والحقي بي
عبست بيور وهي تنظر الى الملابس الفاضحة التي ارتدتها في الحانة واتسعت عيناها باحراج وهي تشتم بصدمة
- اللعنة هل كنت اقف امامه بهذا الشكل طوال الوقت
وسارعت بيور لتبديل ملابسها العارية الى سروال الجينز الاسود الذي اعطاها اياه مع قميص ابيض طويل دون اكمام وربطت خصره من الوسط بسبب اتساعه الذي لا يناسب خصرها النحيل وخرجت اليه وهي تتقدم منه بخجل قائلة
- أين سوف نذهب
التفت طوروس اليها وراح يتامل مظهرها البريئ ...كان في داخله سعيدا انها توقفت عن البكاء والاسى على نفسها ...قال بجفاف لاويا شفتيه الغليظتين
- ستعرفين بعد قليل ...دعينا نذهب
وضع الحقيبة الصغيرة فوق كتفه وامسك بها من ذراعها وسحبها خلفه خارجا الى الغابة الحالكة السواد في منتصف الليل.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم