![]() |
| ملاك الشر الأسود طوروس |
كانت تتنقل من طاولة لأخرى كالفراشة الرقيقة، تجامل اللطفاء، وتنهر الخبيثين، لم تكن تبخل بلطفها على من يحترمها ويقدرها، وبالمقابل لم تقصر أبدا فيمن يحاول التحرش بها أو لمسها، فنظراتها الحادة الغاضبة كفيلة بجعلهم يفكرو مرتين قبل أن يتجاوزو الحدود معها.
كان طوروس يحوم حوليها ويحاوطها بأجنحته الخفية، كانت تسير وكأن هناك هالة شفافة من الحماية تحيط بها وتعزلها عن ايدي المتطفلين والمتحرشين، كان السكارى ينظرون إلي بعضهم بتساؤل، مندهشين على عدم قدرتهم على لمسها، لما أيديهم لا تطالها، وهذا الأمر أزعجهم كثيرا، بينما يتحدون بعضهم البعض من سيلمسها اولا.
كانت بيور غافلة عن تصرفاتهم وكلماتهم وتحدياتهم، كل ما ارادته هو أن تنهي هذه الليلة بسلام وتعود إلى أمان غرفتها، ولكن نظرات والدها الغاضبة كانت لها بالمرصاد، ترغمها على البقاء حتى النهاية أو حتى يأذن هو لها بالرحيل.
انتهت بيور من توزيع المشروبات على جميع الطاولات، ووقفت في زاوية بعيدة عن ايدي واعين المخمورين، وانتظرت إلى أن يأمر والدها بحملة أخرى من توزيع الشراب، كانت هناك عارضة على المسرح تؤدي بعض الحركات الراقصة وتحاول جذب الأنظار إليها بجسدها الممشوق وملابسها الفاضحة، ولكن دون إذ أن النظرات كانت تلاحق بيور حيث وقفت في الخفاء بعيدة عن أنظارهم.
وقف أحد الزبائن وألقى بزجاجة خمر ممتلئة على الأرض فتهشمت تماما وتناثر الشراب الأحمر مغرقا ارضية الحانة، اتجهت جميع الأنظار نحوه بينما توقفت الراقصة عن حركاتها وأخذت تراقب بيور بغضب حينما صاح الرجل بأعلى صوته:
- نريد ليشري...دع ابنتك ترقص لنا...لقد انتظرناها طويلا...إلى متى سوف تأتي بأعذار واهية...لقد مللنا سماع اعذارك.
نظرت بيور إلى والدها بصدمة، بينما نظر إليه رجال الحانة بترقب وهم يصيحون مؤيدين اقوال رفيقهم، وأخذو يهتفون باسمها مطالبين صعودها إلى ساحة الرقص، اقترب منها والدها وقال لها من بين أسنانه المغلقة:
- لم يعد هناك مجال للتراجع الآن...هيا اصعدي للمسرح.
احتدت نظرات بيور بغضب ورفعت رأسها بعناد وهتفت:
- واذا لم أكن أرغب بذلك...ماذا تنوي أن تفعل؟!
ابتسم والدها بخبث وانحنى نحوها ورائحة فمه الكريهه جعلتها تشعر بالغثيان:
- من الأفضل أن تصعدي برغبتك بدلا من أن اصعدك رغما عنك.
سألته بتحدي وعيناها تبرق غضبا:
- كيف ستجبرني؟!...انا حقا أتسائل؟
قال من بين أسنانه في محاولة أخيرة منه لاقناعها:
- ليشري...انا لن ارفس النعمة بقدمي...أن زبائني يريدونك انت...وانتي وامك وجميع العاملين في الحانة بمن فيهم انا عليهم ارضاء زبائني...أما هذا أو لا اكون مسؤولا عما سيصيبك لاحقا.
فكرت بيور وما الذي سيصيبها لاحقا، بالتأكيد لن يكون اسوأ من صعودها إلى ساحة الرقص تلك، تجاهلت تهديد والدها واتجهت بخطوات واثقة نحو والدتها التي كانت تراقبها من بعيد، فامتدت يد والدها إليها لتشدها من شعرها بقوة، ولكن بالكاد يده لمست شعرها، اذا شعر بقبضة حديدية تمسك بذراعه وتلويها خلف ظهره وتدفعه ليسقط أرضا بطريقة مضحكة مهينة، التفتت بيور بسرعة إلى والدها وقد شعرت بشيء ضخم يلتف حولها دون أن يلمسها، ودون أن تكون قادرة على رؤيته، وعرفت أن ملاكها الحارس إلى جانبها، وعم السلام والأمان روحها، بينما نظر إليها الرجال بدهشة لا يعرفون ما الذي حدث تماما، صاح والدها بغضب حينما رأى ابتسامتها الشامته:
- اذا عصيتي أوامري فلا مكان لك بمنزلي...سأرمي بكي الي الشارع.
أسرعت والدتها إليه تنهره بغضب:
- كيف تقول ذلك...اذا رحلت هي سأرحل أنا أيضا.
وقف والدها على قدميه ينظر إليها وهي تحتضن والدتها وتراقبه ببرود:
- افعلي ما تشائين فأنتي لم يعد منك فائدة ترجى...(تابع موجها كلامه الى الحاضرين) تلك الفتاة ليست ابنتي...فقد وجدتها بالشارع آويتها واحتضنتها، لقد اعتبرتها كابنة لي...ولكني اكتشفت بأنها غريبة الأطوار ليست طبيعية ابدا...لهذا انا أتنازل عنها لأجلكم.
وأمام نظرات ليشري المذهولة، وصدمة والدتها المذعورة، تعالت صيحات الرجال هاتفين مهللين، بأن ليشري باتت دون حماية أو سند وبإمكان اي شخص الحصول عليها دون القلق بشأنها وشأن والديها.
بيور لم تستوعب كلمات والدها، كانت لاتزال تحت صدمة أن والديها ليس والديها الحقيقين، نظرت لوالدتها بيأس علها تنكر ما تفوه به والدها، ولكن نظرات عينيها أكدت لها بأن ما تفوه به والدها هو الحقيقة.
أخذ الرجال يتدافعون نحوها معلنين أن من يحصل عليها اولا ستكون له، ولكن اي من الرجال لم يستطع لمسها أو الاقتراب منها حتى، اذ اخذو يرتدون للخلف بقوة ويتطايرون ليرتطمو بالأرض بشدة أمام ذهول الآخرين، وصدمة البعض الآخر من الموجودين، الذين ارتعبو من هول المنظر ومن هول ما يحدث، بينما اغشيت عيني بيور بالدموع، كانت تبدو وكأنها في عالم آخر غير هذا العالم بعيدة عن كل هذا الصخب، صرخت والدتها بقوة، حينما رأت القوة الخفية التي تحمي طفلتها:
- خذها من هنا أرجوك...أنقذ ابنتي أتوسل اليك.
صاح أحد السكارى في الحانة بأعلى صوته:
- أنها ساحرة...أنها تتحكم بقوى الشر...علينا حرقها والتخلص منها قبل أن تدمرنا نحن البشر.
ركضت إليها والدتها وأمسكتها تهزها من أكتافها بقوة صارخة:
- اهربي...اذهبي من هنا ولا تعودي ابدا...ولا تبحثي عني ابدا ابدا.
وقبل أن تتلقظ بيور بأي كلمة أو اعتراض، غشى عينيها هالة كبيرة سوداء وراحت في اغماءة طويلة.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم